مع كل جولة من جولات الحرب المستمرة في غزة، تبرز معضلة جوهرية تتعلق بدور حركة حماس في إدارة المعركة وأثمان استمرار خيارها العسكري. فبينما تواصل كتائب القسام –الجناح العسكري للحركة– الإعلان عن عملياتها ضد قوات الاحتلال تحت مسميات مثل “عصا موسى”، وتعرض مشاهد لتدمير دبابة أو إفشال محاولة توغل إسرائيلي، يبقى المشهد الميداني العام شاهداً على دمار واسع غير مسبوق لمدينة غزة، وسقوط آلاف الشهداء والجرحى، وتشريد أكثر من نصف سكان القطاع.
عمليات رمزية
إعلان سرايا القدس تدمير دبابة إسرائيلية في حي الشيخ رضوان، أو عرضها لمعدات إسرائيلية بعد إحباط عملية تسلل، يعكس بلا شك قدرة المقاومة على إرباك جيش الاحتلال في بعض النقاط الميدانية، لكنه يبقى في نهاية الأمر ضمن إطار “العمليات الرمزية” التي لا تغير موازين القوة. فالاحتلال، رغم الخسائر الموضعية، يواصل عمليته الكبرى “عربات جدعون 2″، ويصعّد من القصف والتدمير الممنهج، بينما يجد المدنيون أنفسهم تحت رحمة المجازر والتهجير.
الإشكالية الأعمق تكمن في أن حركة حماس تتعامل مع هذه العمليات باعتبارها إثباتًا على “القدرة على الصمود”، متجاهلة أن الكلفة الإنسانية والمادية لهذه الاستراتيجية تفوق بكثير المكاسب العسكرية المحدودة. فالإصرار على التمسك بالسلاح وعدم طرح أي بديل سياسي يعكس –في جوهره– حرصًا على بقاء الحركة وكيانها السياسي كفاعل مسيطر في غزة، أكثر مما يعكس اهتمامًا عمليًا بمصير المدنيين الذين يدفعون الثمن الأكبر.
ساحة استنزاف مفتوحة
تتعامل الحركة مع الحرب باعتبارها معركة وجودية ضد الاحتلال، لكنها في الوقت نفسه تحوّل غزة إلى ساحة استنزاف مفتوحة، بلا أفق حقيقي لإنهاء الدمار أو منع التهجير. هذا النهج يجعل المقاومة أسيرة خطابها العسكري، حيث تُقدَّم صور “الدبابات المحترقة” أو “الغنائم العسكرية” كدليل انتصار، بينما الواقع يشي بأن المدينة تُهدم فوق رؤوس أهلها، وأن الكارثة الإنسانية تتسع يوما بعد يوم.
النقد هنا لا يقتصر على فشل حماس في حماية غزة من التدمير، بل يمتد إلى غياب رؤية سياسية مسؤولة. فرفض الحركة تسليم سلاحها أو الانخراط في مسار سياسي بديل، لا ينبع من حسابات إستراتيجية متوازنة، بقدر ما يرتبط بالحفاظ على كيانها السياسي المستقل. فهي تدرك أن السلاح هو ضمانتها الوحيدة للبقاء، وأن أي خطوة للتخلي عنه تعني فقدان أوراق القوة التي تسمح لها بالاستمرار كسلطة أمر واقع في القطاع.
غز في مأزق مزدوج
في المقابل، يستغل الاحتلال هذه المعادلة ليبرر استمرار حربه المفتوحة، بحجة “القضاء على البنية العسكرية للمقاومة”، بينما يتركز الأثر الحقيقي للحرب على المدنيين الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين المطرقة والسندان: قصف إسرائيلي شامل لا يفرق بين مقاتل ومدني، واستراتيجية مقاومة ترى في الرمزية العسكرية غاية بحد ذاتها، حتى لو كان الثمن هو تدمير كامل للمجتمع.
إن المعضلة التي تعيشها غزة اليوم تكشف عن مأزق مزدوج: إسرائيل التي تمارس إبادة وتهجيرًا قسريًا في تحدٍ سافر للقانون الدولي، وحركة حماس التي تحصر خياراتها في استمرار العمل العسكري دون أي مقاربة سياسية أو مجتمعية أكثر شمولاً. وبين الطرفين، يظل المدنيون الغزيون الضحية الأكبر، يدفعون ثمن حسابات تتجاوز حدود حياتهم اليومية وحقهم في الأمان والكرامة.






