تعكس الضربة الجوية الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، كما كشفت عنها صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، تحولاً خطيراً في العقيدة العسكرية للجيش الإسرائيلي، والذي بات يتعامل مع القطاع كميدان عمليات ثانوي، حتى في حروب لا تتصل جغرافياً أو استراتيجياً بالقطاع. فبينما كانت المعركة الأساسية تدور بين إسرائيل وإيران على خلفية البرنامج النووي الإيراني، تحوّلت غزة إلى ساحة تلقى فيها “فائض” القذائف والذخائر، بذريعة دعم القوات البرية أو “مضاعفة القوة” كما ورد في التصريحات الإسرائيلية.
أدوات انتقامية
ما بدأ كمبادرة من بعض الطيارين العائدين من مهمات الدفاع الجوي ضد المقذوفات الإيرانية، سرعان ما تحوّل إلى سياسة عسكرية ممنهجة بقرار مباشر من قائد سلاح الجو الإسرائيلي، تومر بار. ويكشف هذا التبني السريع للمبادرة عن وجود قابلية داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لتحويل العمليات العسكرية، التي يُفترض أن تكون موجهة ومدروسة، إلى أدوات انتقامية أو استعراضية تُمارس ضد مناطق مأهولة، مثل غزة، تحت غطاء “الاستفادة من الذخائر المتبقية”.
هذا التحول يعكس فلسفة عملياتية خطيرة، تستغل الازدواج في الأهداف العسكرية، حيث يُنظر إلى غزة باعتبارها منطقة يمكن استنزافها أو معاقبتها دون عوائق سياسية أو عسكرية حقيقية. وتوصف العملية – في التقرير ذاته – بأنها وسيلة “اقتصادية” لتوسيع نطاق الضربات، وهو وصف يفضح العقلية التي تتعامل مع السكان المدنيين كـ”حيّز عملياتي” متاح وغير مكلف.
الأخطر في هذه الممارسات ليس فقط حجم الضرر المادي والبشري الذي يمكن أن تخلفه هذه الضربات العشوائية أو غير الضرورية من الناحية التكتيكية، بل في التبعات القانونية والإنسانية المترتبة عليها. فإسقاط الذخائر الزائدة على منطقة مأهولة بالمدنيين دون هدف عسكري مباشر قد يشكل انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي الإنساني، الذي يحظر الاستخدام غير المتناسب للقوة ويُلزم الأطراف المتحاربة بتمييز المدنيين عن المقاتلين.
تصفية الحسابات مع المقاومة
كما تفضح هذه الممارسة منطق الإفلات من العقاب، حيث لم يُطرح على المستوى الدولي أي نقاش جاد حول الأضرار المترتبة على مثل هذه السياسات. بل إن تقديمها في الإعلام الإسرائيلي كجزء من “كفاءة عسكرية” و”مردود تشغيلي” يعكس استعداداً نفسياً ومؤسساتياً لتكرارها مستقبلاً، وربما توسيع نطاقها.
وتأتي هذه التطورات في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتداخل المعارك العسكرية مع الجهود الدبلوماسية الرامية إلى احتواء التصعيد بين إيران وإسرائيل، وهو ما يزيد من خطورة جر غزة إلى دائرة المواجهة دون أن تكون طرفاً مباشراً فيها. ففي الوقت الذي تم فيه الإعلان عن وقف إطلاق النار بين تل أبيب وطهران، ظلت غزة تتلقى الضربات، في تكرار لتكتيك “تصفية الحسابات” مع المقاومة الفلسطينية، حتى لو لم تكن متورطة في المواجهة الأخيرة.
تصعيد عشوائي
وتشير هذه السياسات إلى تآكل أي التزام أخلاقي أو قانوني في إدارة العمليات العسكرية الإسرائيلية، خاصة حين يتم التعامل مع الذخائر الزائدة بوصفها “فرصة” وليست “مسؤولية”. وفي حال استمرار هذا النهج، فإن قطاع غزة مرشح لمزيد من التصعيد العشوائي الذي لا تحكمه أهداف عسكرية واضحة بقدر ما تحكمه اعتبارات الاستعراض والتجريب والردع العام.
إن الضربة الإسرائيلية الأخيرة على غزة ليست مجرد تطور ميداني بل تكشف عن تحوّل عميق في التفكير العسكري الإسرائيلي، قوامه استخدام القوة بشكل استباقي وغير مبرر في ساحات تعتبرها إسرائيل ضعيفة التأثير الدولي. وهذا ما يجعل من الضروري، فلسطينياً ودولياً، إعادة النظر في قواعد الاشتباك وفي مسؤولية الأطراف الدولية التي تتغاضى عن هذه السياسات أو تبررها.






