تصاعدت الأحداث في مدينة القيروان التونسية بشكل يثير القلق، حول أبعاد الاستقرار الاجتماعي والسياسي، إذ تواجه الاحتجاجات الميدانية، باستعمال العنف الأمني، وتراجع الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
اشتعلت الأحداث بعد وفاة شاب بعد مطاردة أمنية، وهو ما ارتبط بالسياق العام الذي تعيشه البلاد، والمتمثل في احتجاجات متواصلة ضد سياسات الرئيس قيس سعيد، وشعور متنامي لدى قطاعات من المجتمع بالتهميش وانسداد الأفق السياسي.
هذا المشهد يعكس هشاشة الوضع الداخلي، واحتمال تحول الحوادث الفردية إلى شرارات غضب أوسع، في ظل غياب حوار وطني جامع قادر على احتواء الاحتقان وضمان المحاسبة والشفافية.
مظاهرات ضد سياسات الرئيس قيس سعيد
وخرج المئات من التونسيين في مظاهرات في العاصمة، استجابةً لدعوة جمعيات وأحزاب معارضة، للأسبوع الرابع على التوالي، «دفاعاً عن الحريات واحتجاجاً على سياسات» الرئيس قيس سعيد. وهتف ما بين 300 و400 متظاهر: «الحرية للسجناء»، و«حريات، حريات، دولة البوليس انتهت»، متوجهين إلى الرئيس سعيد الذي تتهمه المعارضة «بالتسلط» منذ تفرّده بالسلطة منتصف عام 2021، وفق ما أفاد مراسلو «وكالة الصحافة الفرنسية». حسب الشرق الأوسط.
ونددت منظمات غير حكومية محلية ودولية بتراجع الحقوق والحريات في تونس. وقال رئيس «حزب العمال» حمّة الهمامي، إن «الحريات الفردية والعامة الأساسية تُداس بالكامل». متابعا: «مرة أخرى، فُتحت أبواب السجون أمام معارضي هذا النظام».
ورفع عدد من المتظاهرين لافتات تحمل صورة المحامي العياشي الهمامي، والشاعرة شيماء عيسى، والسياسي البارز أحمد نجيب الشابي الذين أوقفوا في نهاية نوفمبر تشرين الثاني وبداية ديسمبر كانون الأول بعد إدانتهم استئنافياً في القضية التي تُعرف باسم «التآمر على أمن الدولة»، وشملت ما مجموعه نحو 40 شخصاً.
توحيد صفوف المعارضين والمجتمع المدني
وحسب الشرق الأوسط، يقبع عشرات من المعارضين ونشطاء المجتمع المدني في السجن أو يخضعون للمحاكمة بموجب «المرسوم 54» الرئاسي لمكافحة «المعلومات الكاذبة» التي انتقدت منظمات حقوق الإنسان، عباراته وتوسع القضاء في استعماله.
ودعت إلى المظاهرة عدة منظمات، أبرزها «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان»، و«جمعية النساء الديمقراطيات»، و«نقابة المحامين»، وعدد من الأحزاب، تحت شعار «لا بد للقيد أن ينكسر» المستوحى من النشيد الوطني وقصيدة للشاعر الراحل أبو القاسم الشابي.
من جانبه، قال وسام الصغير، المتحدث باسم «الحزب الجمهوري» الذي يقبع أمينه العام عصام الشابي في السجن في قضية «التآمر»، إن الرئيس قيس سعيد «نجح في أمر واحد» عبر توقيف أشخاص من «جميع الأطياف السياسية والثقافية»، وهو دفع المعارضين والمجتمع المدني نحو «الوحدة في نضالاتهم، وإزالة الحواجز بين هذه القوى».
سعيد: المعارضون إرهابيون وخونة
وعقب صدور الأحكام، أوقفت قوات الأمن 3 من المدانين كانوا يُحاكمون في حالة سراح، من بينهم الشابي البالغ 81 عاماً. وقد ندّدت ابنته هيفاء بالحكم عبر موقع «فيسبوك»، عادّة أن العقوبة (12 عاماً في الاستئناف مقابل 18 عاماً في الطور الابتدائي) «ترقى إلى مستوى حكم بالإعدام». أما المدانان الآخران، المحامي العياشي الهمامي، والشاعرة شيماء عيسى، فقد أعلنا دخولهما في إضراب عن الطعام.
وفيما تتهمه المعارضة بـ«العمل على قمعها»، أكد سعيد مراراً أنه لا يتدخل في شؤون القضاء، لكنه سبق أن وصف المعارضين المسجونين ونشطاء موقوفين، بأنهم «إرهابيون» و«خونة».
وفي السياق ذاته، أفادت إذاعة “موزاييك”، نقلا عن رئيس فرع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بالقيروان فوزي المقدم، إن “الوحدات الأمنية بالقيروان أوقفت خلال اليومين الماضيين، 21 شخصا على خلفية احتجاجات شهدتها المحافظة، حيث أغلق متظاهرون عددا من الطرقات وأشعلوا الإطارات المطاطية”.
وفاة البريكي تشعل الأحداث
وأظهرت مقاطع مصورة تداولتها صفحات محلية ونشطاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي، اندلاع احتجاجات ليلية الجمعة والسبت، بحي علي باي، وسط مدينة القيروان، إثر وفاة الشاب البريكي، تخللتها اشتباكات بين مواطنين وقوات الأمن.
ونشر أحد أقارب الشاب نعيم البريكي، مقطع فيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يتكلم فيه عن الحادث، إذ قال إن “البريكي، كان على دراجته النارية ولم يمتثل لأوامر الشرطة بالتوقف لأنه لا يملك وثائق قانونية، فتعرض للمطاردة”.
واتهم القوة الأمنية بأنها “صدمت بسيارتها الدراجة التي كان يستقلها البريكي، الذي وقع أرضا ثم اعتدى عليه 4 عناصر أمن ونقلوه إلى المستشفى”. وأضاف أن “البريكي، أصيب بنزيف داخلي في الرأس جراء الضرب الشديد الذي تعرض له”.
كما نشرت أماني البريكي، شقيقة نعيم البريكي، عبر صفحتها على منصة فيسبوك الأمريكية، صورة قالت إنها تعود لشقيقها وثقها بنفسه قبل وفاته، وتُظهر إصابات كبيرة على مستوى وجهه ورأسه. وأكدت أن “سيارة أمن صدمته أثناء قيادته دراجة نارية قبل أن ينزل أعوان الأمن ويعتدوا عليه بالضرب ما خلف نزيفا داخليا وكسرا في الجمجمة أدى إلى وفاته”.
ملاحقة السياسيين والنشطاء
من جانبه، قال الناشط السياسي طارق عمراني للجزيرة نت، إن الحادثة تأتي في سياق اتسم بالتضييق على الحريات وعودة “القبضة الأمنية” خاصة مع تسجيل حالات وفيات غامضة داخل السجون التونسية خلال الأشهر القليلة الماضية بحسب ما وثقته منظمات حقوقية التي حذرت من استفحال ظاهرة “الإفلات من العقاب”. حسب الجزيرة نت.
كما جاءت – وفقا له – في إطار “القمع المفرط” للاحتجاجات على غرار محافظة قابس “جنوب” ومنطقة المزونة بسيدي بوزيد “وسط” حيث اختارت السلطة المقاربة الأمنية لمعالجتها، مع مخاوف من عودة ممارسات “الدولة البوليسية” خاصة مع تضييق الخناق على الفضاء العام وملاحقة السياسيين والنشطاء لا سيما بعد استصدار المرسوم 54، وهو مرسوم رئاسي صدر في سبتمبر/أيلول 2022 يتعلق بـ”مكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال”.
أما عن إمكانية توسع دائرة الاحتجاجات، فذلك يبقى -حسب عمراني- مستبعدا في الوقت الراهن لعدم توافر أسباب الاحتجاج المنظم في ظل غياب معارضة سياسية وازنة وتراجع وتيرة الاحتجاجات ذات الصبغة السياسية خلال السنوات الأخيرة.






