الضربة الإسرائيلية التي استهدفت مستشفى ناصر في خان يونس وأوقعت عشرات الضحايا، بينهم خمسة صحافيين، فتحت موجة إدانة واسعة على المستويين الدولي والإقليمي، وأعادت إلى الواجهة مسألة الاستهداف المتكرر للطواقم الطبية والإعلامية في قطاع غزة، وما يترتب عليه من تداعيات سياسية وإنسانية وقانونية.
الحدث لم يمر هذه المرة كغيره من الغارات، بل أثار غضباً متصاعداً وصل إلى البيت الأبيض نفسه، حيث أعرب الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن استيائه، مؤكداً أنه لم يكن على علم بالهجوم وأنه “لا يريد أن يراه”، وهو موقف يعكس ارتباكاً أميركياً بين استمرار الدعم التقليدي لإسرائيل والحرج المتزايد أمام الرأي العام العالمي مع اتساع صور المجازر في غزة.
انتهاك مباشر لحق الأطباء
الأمم المتحدة بدورها شددت بوضوح على أن الصحافيين والمستشفيات “ليسوا هدفاً”، ودعت إلى تحقيق عاجل ونزيه في الجريمة، بينما وصف المتحدث باسم الأمين العام أنطونيو غوتيريش ما جرى بأنه انتهاك مباشر لحق الأطباء والصحافيين في القيام بواجباتهم دون تهديد. في السياق نفسه، أكد المفوض العام لـ”الأونروا” فيليب لازاريني أن قتل الصحافيين لا يعني سوى محاولة إسكات الأصوات القليلة الباقية لنقل صورة المجاعة ومعاناة الأطفال في القطاع.
أما على الصعيد العربي، فقد صدرت إدانات قوية من مصر وقطر والأردن، رأت في القصف “انتهاكاً سافراً” للقانون الدولي الإنساني و”جريمة شنيعة” تضاف إلى سجل الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة. وذهبت الخارجية الإيرانية أبعد من ذلك حين وصفت الغارة بأنها “جريمة حرب وحشية”، مطالبة بمحاسبة الداعمين الدوليين لإسرائيل، بينما رأت تركيا أنها تمثل اعتداء مباشراً على حرية الصحافة.
مأساة سكان غزة
أوروبياً، جاء الموقف البريطاني لافتاً بحدة عباراته، إذ عبّر وزير الخارجية ديفيد لامي عن “الفزع” ودعا بشكل صريح إلى وقف فوري لإطلاق النار، فيما أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن ما جرى “لا يمكن التسامح معه”، مطالباً إسرائيل باحترام القانون الدولي والسماح لوسائل الإعلام بالقيام بدورها بحرية. ألمانيا من جهتها عبّرت عن “صدمتها” وطالبت بتحقيق شفاف وتوفير الحماية الفورية للصحافيين، بينما شددت كندا على أن مثل هذه الهجمات “غير مقبولة” إطلاقاً.
إلى جانب ذلك، انضمت منظمة الصحة العالمية إلى قائمة الأصوات المطالبة بوقف الحرب فوراً، محذّرة من أن استمرار القصف على المراكز الصحية يضاعف مأساة سكان غزة الذين يعيشون تحت الحصار والجوع. كما طالبت جمعية الصحافة الأجنبية إسرائيل بتوضيح فوري، معتبرة أن استهداف الصحافيين أصبح “ممارسة شائنة” يجب أن تتوقف.
في المقابل، جاء رد إسرائيل عبر رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو بصيغة تبريرية، إذ وصف ما حدث بأنه “حادث مأساوي” وأكد أن الجيش يجري تحقيقاً معمقاً، مع الإصرار في الوقت نفسه على أن الهدف يبقى “هزيمة حماس”. هذه الصيغة التي تمزج بين الإقرار بالخطأ والتمسك بمسار الحرب، تعكس المأزق الذي تواجهه الحكومة الإسرائيلية في موازنة اعتبارات المعركة العسكرية مع الضغوط الدولية المتعاظمة.
استهداف البنية الإنسانية
المشهد العام يشير إلى أن استهداف مستشفى ناصر لم يعد مجرد واقعة جديدة ضمن الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023، بل تحوّل إلى نقطة فاصلة أعادت توحيد الأصوات الدولية على مطلب مشترك: وقف استهداف المدنيين والصحافيين والمنشآت الطبية، والبحث عن آلية مساءلة حقيقية. غير أن التباين يبقى قائماً بين الإدانات الصارمة والدعوات العاجلة لوقف النار من جهة، وبين استمرار الموقف الأميركي الملتبس الذي يوازن بين الضغط على إسرائيل وحماية التحالف الاستراتيجي معها من جهة أخرى.
وبينما يستمر نزيف الدم في غزة، تزداد عزلة إسرائيل دبلوماسياً، إذ يترسخ انطباع عالمي بأن ما يجري يتجاوز حدود “العمليات العسكرية” إلى ما يشبه سياسة منظمة لإخماد الأصوات الحرة واستهداف البنية الإنسانية للقطاع. هذا الانطباع، إذا ما تواصل، قد يفتح الباب لتبعات قانونية أوسع على المستوى الدولي، ويجعل من حادثة مستشفى ناصر واحدة من اللحظات الأكثر إحراجاً لإسرائيل منذ بداية الحرب.






