أثارت الشائعات التي انتشرت أخيراً حول غياب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن اجتماع مجلس الأمن القومي الروسي موجة واسعة من الجدل، رغم أنها جاءت بعد سلسلة غيابات مماثلة للوزير عن مناسبات أخرى لم تُثر حينها أي تساؤلات. فقد غاب لافروف عن عدد من اللقاءات الحساسة، أبرزها الاجتماع الذي عقده الرئيس فلاديمير بوتين مع ستيفان ويتكوف، المبعوث الشخصي للرئيس الأميركي، والذي لم يشارك فيه من الجانب الروسي سوى مساعد الرئيس للشؤون الخارجية يوري أوشاكوف ورئيس صندوق الاستثمارات الروسية كيريل دميتريف، الذي صدر لاحقاً مرسوم تعيينه مبعوثاً خاصاً لبوتين.
ظهور مفاجئ في ألاسكا يفتح باب التأويلات
وظل غياب لافروف خارج دائرة الشائعات نسبياً، إلى أن كسر ظهوره في ألاسكا هذا الهدوء، حين بدا مرتدياً سترة تحمل الأحرف الأولى لاسم “اتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية”. لم يكن ذلك مجرد تفصيل عابر في مشهد بروتوكولي؛ بل إشارة رمزية أثارت اهتماماً واسعاً، وفتحت الباب أمام تأويلات سياسية تتعلق بالرسائل التي ترغب موسكو في إرسالها خارجياً، أو التي أراد لافروف نفسه تضمينها في عودته إلى الواجهة.
وتعمّق الغموض أكثر مع تزامن غياب لافروف مع انقطاع غير معتاد للناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف، الذي اختفى بدوره عن المشهد في فترة حساسة، ليتولى يوري أوشاكوف مهمة التصريحات الرسمية باسم الرئاسة. وقد اعتُبر هذا التزامن مؤشراً إضافياً على أن شيئاً ما يتحرك داخل الدائرة الضيقة للسلطة، سواء من حيث إعادة توزيع الأدوار أو إعادة ضبط آليات التواصل السياسي.
ولم يعد بيسكوف إلى الظهور إلا حين رافق الرئيس بوتين في رحلته إلى ألاسكا، ضمن فريق ضم أيضاً كيريل دميتريف، الشخصية التي صعد نجمها منذ انطلاق المحادثات الروسية – الأميركية في الرياض في مارس 2024. واعتبر بعض المراقبين أن حضور دميتريف إلى جانب بوتين وبقاء لافروف في الظل لفترة، ثم إعادة ظهوره المفاجئ، يعكسان تحولات في موازين النفوذ داخل منظومة السياسة الخارجية الروسية، حيث تتقدم شخصيات جديدة فيما يعاد ضبط موقع الدبلوماسية التقليدية لروسيا.
زوبعة “موسكو تايمز”
ومن بين أكثر ردود الفعل إثارة للانتباه كان تعليق صحيفة “موسكو تايمز”، المصنفة من وزارة العدل الروسية ضمن قائمة “العملاء الأجانب”. فقد تلقفت الصحيفة ملاحظة أندريه كوليسنيكوف – أحد الأقرب إلى دوائر الكرملين – الذي قال إن غياب لافروف عن اجتماع مجلس الأمن القومي كان “بإخطار مسبق”، لتبني عليها سردية كاملة تبنتها لاحقاً صحف غربية حول “اختفاء” الوزير الروسي.
وقد زادت دهشة المراقبين عندما خرج بيسكوف مسارعاً لنفي تلك الأخبار بقوة، قائلاً: “سيرغي فيكتوروفيتش يواصل عمله بنشاط. جميع هذه التقارير كاذبة تماماً”. وأضاف مؤكداً: “عندما تُعقد الفعاليات العامة المناسبة ستقابلون الوزير”.
الخلافات الصحية والدبلوماسية… روايات تتجدد
تسري في الأوساط السياسية والدبلوماسية أحاديث حول خلافات “صحية” و”سياسية” غير معلنة قد تكون وراء تراجع ظهور لافروف في الأسابيع الماضية. ويستشهد البعض بما يصفونه بـ”الخروج عن المألوف” في بعض مواقف الوزير، ومنها استخدامه لعبارات حادة خلال لقاءات سابقة، وهو ما سبق أن نقلته صحيفة “ديلي تلغراف” خلال لقائه وزير الخارجية البريطاني الأسبق ديفيد ميليبند عام 2008، ثم عاد لافروف نفسه ليؤكد ضاحكاً أنه كثيراً ما يتصرف بهذه الطريقة في اللقاءات الدبلوماسية المتوترة.
ويعيد البعض هذه التوترات إلى الأذهان ليقارن بين الوضع الحالي وحقبة الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين، الذي كان يعتبر الخلاف داخل الفريق الحكومي “ظاهرة صحية”، وفق ما قاله خلال مؤتمر صحافي في التسعينيات بعد توجيه سؤال حول إبعاده عدداً من مساعديه عن رحلة رسمية إلى الولايات المتحدة.
توتر مع روبيو قبيل قمة بودابست
ويرجح مراقبون أن جزءاً من الغياب يعود إلى توتر مفترض في العلاقة بين لافروف ونظيره الأميركي ماركو روبيو، اللذين كُلّفا بإعداد أجندة القمة التي كان من المقرر أن تجمع بين الرئيسين بوتين وترامب في بودابست. وتعتبر العاصمة المجرية اختياراً مثيراً للجدل بالنظر إلى حساسياتها التاريخية مع كييف وعدد من عواصم الاتحاد الأوروبي.
لافروف يكسر الصمت
وفي محاولة واضحة لإغلاق باب التأويلات، أدلى لافروف بحوار إلى وكالة “ريا نوفوستي” الرسمية، كشف فيه تفاصيل مكالمته الهاتفية الأخيرة مع روبيو، مشيراً إلى أن قرار إلغاء أو تأجيل قمة بودابست جاء بعدما ناقش الوزيران تباينات في المواقف تجاه مستقبل التسوية في أوكرانيا.
وأوضح لافروف أن بوتين حدّد الخطوط العامة للموقف الروسي خلال لقائه بقيادات الخارجية الروسية في يونيو 2024، مؤكداً التزام موسكو بالمقترحات التي نقلها المبعوث الأميركي ستيفان ويتكوف قبل قمة ألاسكا. وأضاف أن واشنطن قدّمت لروسيا ضمانات تتعلق بمنع عرقلة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لمسار السلام، لكن بروكسل ولندن دفعتا باتجاه خيار التصعيد العسكري والانضمام الكامل لـ”فريق الحرب”.
انتظار روسي لتأكيد أميركي
أشار لافروف إلى أن موسكو لا تزال بانتظار تأكيد رسمي من الولايات المتحدة بأن اتفاقات أنكوراج ما زالت سارية. وجدد التأكيد على أن روسيا لن تتخلى عن “ثوابتها”، بما في ذلك الاعتراف بوحدة أراضيها وخيارات سكان القرم ودونباس والمناطق الأربع التي ضُمّت عام 2022.
وأضاف أن موسكو نقلت مقترحات واضحة و”عادلة” للجانب الأميركي حول ترتيبات المرحلة المقبلة، وأن أي تقدم يتطلب التزاماً متبادلاً، خصوصاً في ملف “ستارت 3″، الذي وصفه بأنه “بسيط، مفهوم، وخالٍ من الأجندات الخفية”.
رد غير مباشر على الإشاعات
يبدو أن لافروف، عبر ظهوره الإعلامي المفاجئ وتقديمه رواية تفصيلية لأدواره واتصالاته الأخيرة، لم يكن يهدف فقط إلى نفي الشائعات المتراكمة حول “اختفائه” أو ابتعاده عن دوائر القرار في الكرملين، بل إلى إعادة ضبط الصورة التي تشكلت حول موقعه داخل فريق السياسة الخارجية الروسية. فالتوقيت لم يكن عابراً—إذ جاء بعد تمدد سردية إعلامية تشير إلى توتر في العلاقة مع بوتين أو انحسار لدوره لصالح شخصيات صاعدة مثل كيريل دميتريف—وهو ما جعل تصريحه بمثابة رسالة مزدوجة: للداخل الروسي ولراحة العواصم الخارجية في آن واحد.
ووسط استمرار التفسيرات المتباينة لغيابه، بدا لافروف في حديثه إلى “ريا نوفوستي” وكأنه يعيد تأكيد حضوره في الملفات الكبرى، من محادثات ألاسكا إلى ترتيبات قمة بودابست الملغاة، في محاولة لتوضيح أن ابتعاده لم يكن انعكاساً لخلافات أو أزمة ثقة داخل الكرملين، بل جزءاً من نمط عمل جديد تُدار وفقه الملفات الحساسة بين بوتين والإدارة الأميركية. هكذا تحوّل ظهوره إلى ما يشبه “توقيعاً سياسياً” أراد من خلاله وضع نهاية للروايات التي ضخمت غيابه، والتأكيد على أن هندسة السياسة الخارجية في موسكو لا تزال تعمل ضمن إيقاع معقد، لكنه مضبوط، ولا يُقاس بظهور إعلامي متواصل بقدر ما يُقاس بفاعلية التحركات خلف الأبواب المغلقة.






