هزت فاجعة سقوط حافلة لنقل المسافرين في وادي الحراش، التي أودت بحياة 18 شخصًا وأصابت 25 آخرين بجروح، الرأي العام الجزائري وأعادت إلى الواجهة النقاش حول واقع قطاع النقل البري وظروف السلامة المهملة منذ سنوات.
وكشف وكيل الجمهورية لدى محكمة الدار البيضاء بالعاصمة، رستم منصوري، أن قاضي التحقيق أمر بإيداع أربعة أشخاص الحبس المؤقت، من بينهم سائق الحافلة وقابض التذاكر ومالك المركبة والمراقب التقني، بعد أن وجهت لهم تهم تتعلق بالقتل الخطأ وتعريض حياة الغير للخطر وتزوير وثائق تقنية.
مخالفات بالجملة وأعطال قاتلة
التحقيقات التي باشرتها فرقة مكافحة الجريمة الكبرى بباب الزوار، مدعومة بخبراء المعهد الوطني للأدلة وعلم الإجرام، كشفت عن سلسلة من المخالفات الخطيرة، أبرزها الحمولة الزائدة حيث كانت الحافلة تقل 45 راكبًا، وغياب الترخيص القانوني للسير بعد صدور قرار توقيف مؤقت بشأنها، إضافة إلى انعدام التأمين وتسليمها لسائق إضافي دون مؤهلات.
أما الخبرة الميكانيكية فأكدت أن السبب المباشر للحادث هو توقف نظام التوجيه، ما أدى إلى فقدان السائق السيطرة على المركبة، مع تسجيل أعطال تقنية أخرى تثبت تهالك الحافلة وعدم صلاحيتها للاستعمال.
أزمة النقل في قلب الجدل
هذا الحادث المأساوي أعاد إلى الواجهة النقاش الدائم حول وضعية الحافلات في الجزائر، التي يصفها كثير من المواطنين بـ”القنابل المتنقلة”. فالكثير من الحافلات التي تجوب الطرقات متقادمة ومهترئة، تعود لعقود مضت، ويجري تشغيلها رغم أعطالها التقنية، مستفيدة أحيانًا من تلاعب في شهادات المراقبة أو من تساهل إداري.
ويشير خبراء النقل إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بممارسات أصحاب الحافلات، بل أيضًا بضعف الرقابة وغياب استراتيجية وطنية حقيقية لتجديد أسطول النقل الحضري والجهوي، الذي لم يواكب التطور الديموغرافي وحاجات التنقل المتزايدة في المدن الكبرى.
الحاجة إلى إصلاح شامل
في بلد يمتلك إمكانيات مالية وبشرية معتبرة مثل الجزائر، يطرح حادث وادي الحراش سؤالًا جوهريًا حول غياب الإرادة لتحديث قطاع النقل العمومي، الذي لا يزال يعاني من فوضى التسيير وضعف البنية التحتية. ويرى مراقبون أن الاستثمار في حافلات حديثة، واعتماد معايير صارمة للسلامة، وتعزيز الرقابة التقنية، لم يعد ترفًا بل ضرورة ملحة لضمان سلامة المواطنين وإنهاء سلسلة الحوادث المتكررة.
صدمة اجتماعية ومطالب بالتحرك
الفاجعة التي وقعت على الطريق الوطني رقم 5 بمدخل العاصمة في 15 أغسطس الجاري، تركت أثرًا عميقًا في الشارع الجزائري، حيث تحولت قصص الضحايا إلى رمز جديد لمعاناة المواطنين مع النقل المتهالك. وبينما وعدت السلطات القضائية بعدم التهاون في محاسبة المسؤولين المباشرين عن الحادث، يبقى الرهان الأكبر على ما إذا كانت هذه الصدمة ستشكل نقطة تحول فعلية في مسار إصلاح قطاع النقل، أم أنها ستضاف إلى قائمة طويلة من الحوادث التي طواها النسيان.







