تشكل الانتخابات العراقية الأخيرة محطة مفصلية جديدة في مسار النظام السياسي، ليس فقط بسبب النتائج التي أسفرت عن تقدم ائتلاف «الإعمار والتنمية» الذي يقوده رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني بحصوله على 46 مقعداً، بل أيضاً بسبب ما رافق العملية الانتخابية من سجالات قانونية وسياسية دفعت المحكمة الاتحادية إلى تحويل الحكومة الحالية إلى «تصريف الأعمال» وحلّ البرلمان تمهيداً لبدء دورة سياسية جديدة.
العراق يدخل اليوم مرحلة انتقالية دقيقة تتميز بترقّب داخلي وحراك مكثّف بين القوى الشيعية والسنية والكردية، ولا سيما «الإطار التنسيقي» الذي بدأ مشاوراته لتشكيل الحكومة المقبلة وسط تحديات عميقة تتجاوز مجرد توزيع الحقائب الوزارية، وتمس جوهر الاستقرار السياسي والإصلاح الاقتصادي وهيكلة الدولة.
أزمة شرعية متجددة بعد الانتخابات
على الرغم من إعلان المفوضية النتائج النهائية، فإن البيئة السياسية ما زالت مشوبة بتوترات ناجمة عن طعون وخلافات سبقت الاقتراع أثناء العملية الانتخابية وبعدها. فالسوداني، الذي خرج ائتلافه في صدارة الفائزين، يجد نفسه أمام حالة انتقالية يقيّدها قرار المحكمة الاتحادية بتحويل حكومته إلى تصريف أعمال، ما يزيد من ضبابية المشهد ويقلّص قدرة الحكومة الحالية على اتخاذ قرارات حاسمة في ظل فراغ تشريعي بعد حلّ البرلمان.
في هذا السياق، ستواجه القوى السياسية تحدي إعادة بناء الثقة الشعبية في العملية السياسية. فالمواطن العراقي ينظر إلى نتائج الانتخابات بعين الريبة استناداً إلى تجارب سابقة شهدت أزمات مشابهة انتهت بتفاهمات فوقية بين القوى التقليدية. واستمرار هذه النظرة السلبية قد يضع الحكومة المقبلة أمام واقع من القلق الاجتماعي والتململ الشعبي، خاصة مع تفاقم الأزمات الخدمية والاقتصادية.
تحديات تشكيل الحكومة داخل البيت الشيعي
رغم تصدر «الإعمار والتنمية»، فإن ذلك لا يمنح السوداني تفويضاً كافياً لقيادة الحكومة المقبلة من دون المرور من البوابة السياسية المعقدة داخل الإطار التنسيقي. فالقوى الشيعية، رغم تقاربها الأيديولوجي، تعاني انقساماً واضحاً حول شكل إدارة المرحلة المقبلة، وتحديداً فيما يتعلق باختيار رئيس الوزراء وتقاسم النفوذ في الوزارات السيادية.
ويتمثل التحدي الأول في قدرة الإطار على تجاوز خلافاته الداخلية. فالتيارات المؤثرة داخله، والتي تضم قوى سياسية ذات قواعد جماهيرية كبيرة وارتباطات إقليمية، تمتلك رؤى مختلفة حول النهج السياسي والأمني والاقتصادي للحكومة المقبلة. ومع وجود أكثر من اسم محتمل لرئاسة الوزراء، فإن التوافق على شخصية واحدة يمثل اختباراً لمعنى «الوحدة» داخل الإطار.
أما التحدي الثاني، فهو لعب دور محوري في استقطاب القوى الأخرى—السنية والكردية—ضمن معادلة توافقية متوازنة، وهو أمر ليس سهلاً، خاصة في ظل الانقسامات التي تشهدها الساحة الكردية، وبروز تكتلات سنية جديدة تطالب بحصة أكبر في السلطة.
التفاوض مع القوى السنية والكردية
يشكّل اختيار رئيسي البرلمان والجمهورية أول اختبار حقيقي للقوى العراقية في مرحلة ما بعد الانتخابات. فالرئاسات الثلاث تخضع عادةً لمعادلة توازنات دقيقة: رئاسة الوزراء للشيعة، ورئاسة البرلمان للسنة، ورئاسة الجمهورية للأكراد. وعلى الرغم من ثبات العرف، فإن تطبيقه يواجه تعقيدات جديدة.
بالنسبة للقوى السنية: يبرز التنافس بين تحالفات متعددة، بعضها يريد إعادة إنتاج نموذج الشراكة التقليدية، وبعضها الآخر يسعى إلى تعزيز دوره عبر مطالب سياسية واقتصادية أوسع. ومن المتوقع أن تطرح القوى السنية شروطاً محددة للمشاركة في الحكومة، تتعلق بإعادة الإعمار، تخصيصات المحافظات، وإعادة النازحين.
أما الساحة الكردية: فهي تعيش حالة انقسام بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، خصوصاً حول منصب رئاسة الجمهورية وإدارة العلاقة مع بغداد. ومن ثم فإن إقناع الأكراد بالانضمام إلى حكومة موحدة يتطلب ضمانات سياسية حول الملفات العالقة، وفي مقدمتها حصة الإقليم من الموازنة، والنفط، والعلاقة بين أربيل وبغداد.
فراغ تشريعي وتقييد قدرة الحكومة على اتخاذ القرار
حلّ البرلمان يضع العراق في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية. فبدون سلطة تشريعية، تصبح قدرة الحكومة على المضي في الإصلاحات محدودة، وتقتصر على الإجراءات اليومية. وهذا يؤخر إقرار الموازنة، والاستراتيجية الحكومية، والبرامج الاقتصادية التي يحتاجها الاقتصاد العراقي للخروج من حالة الركود وتبعية النفط.
كما أن الوضع الدستوري الحالي يعقّد عملية تنفيذ الاتفاقات السياسية، إذ لا تستطيع حكومة تصريف الأعمال الدخول في التزامات طويلة المدى، ما قد يبطئ عملية التفاوض بين القوى السياسية ويؤجل تشكيل الحكومة لفترة أطول، بما يعرض البلاد لفراغ سياسي متزايد.
التحدي الاقتصادي والمالي
يعد الاقتصاد العراقي التحدي الأكثر إلحاحاً في المرحلة المقبلة. فالعراق يعاني من اعتماد شبه كامل على عائدات النفط، وتضخم في القطاع العام، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع في مستوى الخدمات. كما أن الضائقة المالية والتحديات المتعلقة بأسعار النفط تجعل الحكومة القادمة أمام مسؤولية بناء سياسة اقتصادية مختلفة.
أبرز التحديات الاقتصادية تشمل:
إصلاح نظام الرواتب والتوظيف الحكومي.
تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط.
تعزيز دور القطاع الخاص.
مكافحة الفساد الذي يلتهم جزءاً ضخماً من إيرادات الدولة.
الاستثمار في البنى التحتية والقطاعات الحيوية.
لكن تحقق ذلك يتطلب بيئة سياسية مستقرة وتوافقاً راسخاً بين القوى الرئيسية، وهو ما يبدو غائباً حتى الآن.
التحدي الأمني وتوازنات النفوذ
على الرغم من تراجع خطر «داعش» بشكل كبير، لا يزال العراق يواجه تحديات أمنية متعددة، تشمل:
نشاط خلايا إرهابية في مناطق محدودة.
تحديات الحدود مع سوريا.
وجود فصائل مسلحة ذات نفوذ سياسي وعسكري.
التدخلات الإقليمية في المشهد العراقي.
وتحتاج الحكومة الجديدة إلى صياغة سياسة أمنية متوازنة تعيد بناء العلاقة بين الدولة ومختلف القوى المسلحة، وتعمل على تعزيز سلطة المؤسسات الأمنية الرسمية، وتجنّب الصدام الداخلي. وهي مهمة دقيقة لأن أي معالجة غير محسوبة قد تفتح الباب أمام توترات جديدة.
العلاقة مع الولايات المتحدة وإيران
تشكل العلاقة بين بغداد وكلٍّ من واشنطن وطهران تحدياً إضافياً. فالعراق يقف في منطقة تقاطع بين النفوذ الإيراني والمصالح الأميركية، ما يجعل الحكومات العراقية السابقة غالباً في موقع محاولة “الموازنة” بين الطرفين.
الحكومة المقبلة ستحتاج إلى:
طمأنة الولايات المتحدة بشأن دورها في العراق، خصوصاً في مجالات التدريب والدعم الأمني.
الحفاظ على علاقة مستقرة مع إيران، دون السماح بتحويل العراق إلى ساحة صراع.
إدارة ملف الفصائل المسلحة باعتباره نقطة تماس رئيسية بين النفوذَين.
استعادة ثقة الشارع
قد يكون التحدي الأكبر هو استعادة ثقة المواطن العراقي. فسنوات من الفساد وضعف الخدمات وتراجع مستوى المعيشة تركت فجوة عميقة بين الشارع والطبقة السياسية. وإذا لم تستطع الحكومة المقبلة تحقيق إصلاحات ملموسة خلال فترة قصيرة، فقد تشهد البلاد موجة احتجاجات جديدة، خاصة مع وجود عوامل اقتصادية واجتماعية قابلة للاشتعال.
تدخل الحكومة العراقية المقبلة مرحلة صعبة تتقاطع فيها التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية والدستورية. فالانتخابات الأخيرة، رغم أنها أفرزت فائزاً واضحاً، لم تقلّل من تعقيد المشهد، بل أظهرت هشاشة النظام السياسي وطبيعة التحالفات المتشابكة. وسيتعين على القوى الأساسية—ولا سيما الإطار التنسيقي—تجاوز خلافاتها، وإجراء تسويات شاملة مع القوى السنية والكردية، وإطلاق عملية إصلاح اقتصادي وأمني جادة، لاستعادة ثقة الشارع وإعادة بناء الدولة.
إن مستقبل العراق في المرحلة المقبلة مرهون بقدرة الطبقة السياسية على استثمار فرصة إعادة تشكيل السلطة بعد الانتخابات، وتحويلها إلى مشروع وطني جامع، بدلاً من إعادة إنتاج الأزمات القديمة بصيغ جديدة.







