في خطوة فُسّرت على نطاق واسع بأنها تحوّل نوعي في السياسة الفرنسية تجاه الصراع في الشرق الأوسط، أعلنت باريس إرسال فريق من العسكريين والمدنيين للمشاركة في مركز التنسيق الذي أقامته الولايات المتحدة في إسرائيل لتخطيط مرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة.
الإعلان، الذي جاء على لسان وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، لم يكن مجرد إجراء رمزي أو تقني، بل حمل دلالات سياسية وأمنية تعكس رغبة باريس في الوجود الفعلي داخل واحدة من أعقد ساحات النزاع في العالم.
فرنسا تضع أقدامها في الميدان الفلسطيني
تؤكد وزارة الخارجية الفرنسية أن هذه المشاركة تأتي في إطار “المسؤولية الدولية لفرنسا تجاه السلام والاستقرار في الشرق الأوسط”، غير أن المراقبين يرون أن الأمر يتجاوز البعد الإنساني أو الأمني، ليصل إلى محاولة فرنسية للعودة إلى طاولة التأثير في الملفات الإقليمية التي كانت لعقود مجالاً للمبادرة الأوروبية.
وتأتي هذه الخطوة في توقيت بالغ الحساسية، مع استمرار هشاشة وقف إطلاق النار في غزة واحتدام النقاش حول شكل الإدارة المؤقتة للقطاع بعد الحرب.
من جهة أخرى، ربطت باريس مشاركتها بمسار دبلوماسي أوسع داخل الأمم المتحدة، إذ تعمل مع واشنطن وعدد من العواصم الأوروبية على وضع أسس قانونية لتفويض دولي يمنح الشرعية للقوة متعددة الجنسيات التي يُتوقع نشرها في غزة قريباً، وهذا التحرك يعيد فرنسا إلى دائرة القرار الأممي بعد فترة من الانكفاء الدبلوماسي بسبب انشغالها بأزماتها الداخلية وتراجع حضورها في الملفات الدولية.
ويبدو أن باريس تحاول من خلال هذه الخطوة إحياء دورها التقليدي كوسيط بين الشرق والغرب، خصوصاً بعد تراجع الثقة الإقليمية في السياسات الأميركية الأحادية، حيث تراهن فرنسا على خطاب أكثر توازناً في التعاطي مع القضية الفلسطينية، يربط بين حق إسرائيل في الأمن وحق الفلسطينيين في دولة مستقلة قابلة للحياة.
رهانات باريس بين واشنطن وتل أبيب
تدرك القيادة الفرنسية أن الانخراط في مركز التنسيق الأميركي يحمل في طياته تحديات دبلوماسية معقدة. فمن جهة، تسعى باريس إلى الحفاظ على تحالفها الوثيق مع واشنطن، خاصة في ملفات الدفاع والأمن الأوروبي، ومن جهة أخرى، لا تريد أن تظهر كمن يدعم نهجاً عسكرياً إسرائيلياً يفتقر إلى التوازن السياسي.
هذا الموقف المتأرجح يجعل فرنسا تسير على خيط رفيع بين الواقعية السياسية والحفاظ على صورتها كقوة “وسيط” في الشرق الأوسط.
وتشير تسريبات دبلوماسية إلى أن باريس اشترطت على واشنطن أن تكون مشاركتها ضمن إطار أممي واضح، وألا تتحول القوة الدولية إلى غطاء دائم للوجود الإسرائيلي في القطاع. هذا الشرط يعكس قلق فرنسا من أن تُستغل المبادرة الأميركية لتكريس واقع أمني جديد يهمّش الدور الأوروبي والعربي في إدارة الملف الفلسطيني.
ورغم أن فرنسا لم تكشف عن عدد أفراد بعثتها المشاركة، فإن المعلومات المتداولة تفيد بأن الفريق يضم ضباط اتصال وخبراء في إعادة الإعمار والإغاثة الإنسانية، ما يشير إلى أن الدور الفرنسي سيكون مزدوجاً: أمنياً وإنسانياً في آن واحد. فباريس تدرك أن أي وجود ميداني في غزة يجب أن يُغلف بخطاب إنساني لتجنب ردود الفعل الغاضبة في الشارع العربي والفلسطيني.
في المقابل، تلقى إسرائيل المشاركة الفرنسية بارتياح نسبي، كونها تضمن حضور دولة أوروبية كبرى إلى جانب الحليف الأميركي، ما يمنح الخطة بعداً دولياً أكبر، غير أن بعض الدوائر الإسرائيلية تبدي حذراً من الموقف الفرنسي الذي لا يزال يؤكد على “ضرورة التزام إسرائيل بالقانون الدولي الإنساني”، وهو ما تعتبره تل أبيب “نغمة مزعجة” في وقت تسعى فيه لتثبيت ترتيبات أمنية جديدة على الأرض
خطة أميركية بطابع أوروبي؟
من الواضح أن واشنطن تحاول من خلال إدخال فرنسا وأطراف أوروبية أخرى إلى مركز التنسيق، أن تمنح مبادرتها مظهراً دولياً يخفف من الانتقادات التي تواجهها في الأمم المتحدة، فالخطة الأميركية لإدارة ما بعد الحرب في غزة، والتي تتضمن نشر قوة استقرار متعددة الجنسيات، تواجه تحفظات عربية وإسلامية على خلفية الخشية من أن تتحول إلى وصاية طويلة الأمد.
تريد الولايات المتحدة أن تضفي شرعية سياسية على تحركاتها، لذلك وجدت في فرنسا شريكاً مثالياً يحمل مزيجاً من الخبرة الدبلوماسية والتاريخ الاستعماري في المنطقة، ما يمنحها ثقلاً في التعامل مع المجتمعات المحلية والأنظمة العربية، وفي المقابل، ترى باريس في هذا التعاون فرصة لإعادة تموضعها داخل المعادلة الشرق أوسطية، بعد أن تراجع حضورها لصالح الولايات المتحدة وروسيا وتركيا.
غير أن باريس تدرك أن الدخول في هذه الخطة يحمل أيضاً مخاطرة سياسية داخلية. فالرأي العام الفرنسي الذي يراقب صور الدمار في غزة بات أكثر انتقاداً لأي تعاون عسكري مع واشنطن أو تل أبيب، لذلك حرصت الحكومة الفرنسية على التأكيد أن هدف مشاركتها هو “دعم الاستقرار وحماية المدنيين”، لا الانحياز لأي طرف في النزاع.
وبينما تستعد الأمم المتحدة للنظر في مشروع تفويض القوة الدولية خلال الأسابيع المقبلة، تواصل فرنسا تحركاتها الدبلوماسية في نيويورك والعواصم الأوروبية، لإقناع المزيد من الدول بالمشاركة في هذه القوة، على أمل أن يضمن الوجود المتعدد الجنسيات عدم انفراد واشنطن بالقرار الميداني.
دبلوماسية التوازنات وصراع المصالح
في خلفية المشهد، تبدو مشاركة فرنسا جزءاً من معركة أوسع داخل الاتحاد الأوروبي حول من يقود السياسة الخارجية تجاه الشرق الأوسط، فبينما تتبنى ألمانيا موقفاً أقرب إلى إسرائيل، تحاول باريس إحياء ما تسميه “النهج المتوازن”، الذي يجمع بين الأمن الإسرائيلي والحقوق الفلسطينية. هذا الانقسام الأوروبي قد ينعكس على شكل القوة المنتظرة في غزة، ومدى استقلاليتها عن القرار الأميركي.
كما تسعى فرنسا إلى تأكيد حضورها في ملف إعادة الإعمار، وهو الملف الذي سيفتح أبواباً اقتصادية ضخمة بعد انتهاء الحرب. فالشركات الفرنسية المتخصصة في الطاقة والبنى التحتية والإغاثة تنتظر نصيبها من عقود محتملة لإعادة بناء ما دمرته الحرب، وبذلك، يكتسب الدور الفرنسي بعداً اقتصادياً واضحاً إلى جانب الطابع السياسي والأمني.
ويرى مراقبون أن باريس تسعى من خلال وجودها في غزة إلى ترميم صورتها كقوة “حامية للقانون الدولي” بعد الانتقادات التي واجهتها بسبب مواقفها في ليبيا ومالي. فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يدرك أن الحضور في الملفات الحساسة يمنح فرنسا ما فقدته من نفوذ في العقود الأخيرة.
لكن هذا الانخراط لا يخلو من التحديات، إذ إن أي فشل في تحقيق نتائج ملموسة على الأرض قد يُفسر على أنه تورط في مشروع أميركي غير واضح المآلات، ما قد يعرض فرنسا لموجة انتقادات داخلية وخارجية.
ماكرون وإعادة رسم الدور الفرنسي في المنطقة
منذ وصوله إلى الإليزيه، يسعى الرئيس إيمانويل ماكرون إلى استعادة مكانة فرنسا كلاعب مؤثر في الشرق الأوسط. من لبنان إلى العراق، ومن ليبيا إلى الخليج، حاول ماكرون أن يقدم بلاده كصوت أوروبي مستقل قادر على التوسط في النزاعات وتقديم حلول متوازنة، وتأتي المشاركة الفرنسية في مركز التنسيق الأميركي لتكمل هذا المسار الطموح.
ويرى مقربون من دوائر القرار في باريس أن ماكرون ينظر إلى الملف الفلسطيني باعتباره اختباراً حقيقياً لقدرته على الجمع بين المبادئ والقوة، فهو يريد أن يظهر كمدافع عن حقوق الإنسان وفي الوقت ذاته كحليف استراتيجي لواشنطن في مواجهة الفوضى الإقليمية. هذه الازدواجية هي ما يجعل السياسة الفرنسية تجاه غزة مزيجاً من المبادئ والمصالح.
وفي الوقت الذي تشهد فيه العلاقات الفرنسية – التركية توتراً مستمراً، فإن دخول باريس إلى ملف غزة يضعها في تماس مباشر مع النفوذ التركي – القطري في القطاع، ما يفتح الباب أمام منافسة جديدة على إدارة المساعدات وإعادة الإعمار، ففرنسا لا تريد أن تُقصى من مشهد ما بعد الحرب الذي يتشكل بسرعة تحت مظلة أميركية – إقليمية.
وتدرك باريس أن غيابها عن هذا الملف سيعني تسليم زمام المبادرة لواشنطن وحدها، وهو ما لا يتسق مع رؤية ماكرون لعالم “متعدد الأقطاب” تكون فيه فرنسا أحد أركانه الفاعلة. لذا، فإن المشاركة في مركز التنسيق تمثل بالنسبة للإليزيه أكثر من مجرد تعاون ميداني، بل هي إعلان عن عودة فرنسية قوية إلى الشرق الأوسط.
عودة محسوبة إلى الشرق الأوسط
يقول الدكتور فريد لانوا، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة السوربون، إن مشاركة فرنسا في مركز التنسيق الأميركي تمثل “عودة محسوبة” إلى الشرق الأوسط، إذ تسعى باريس لاستعادة وزنها الدبلوماسي دون أن تتحمل كلفة سياسية أو عسكرية عالية.
ويرى أن فرنسا تحاول توظيف هذه المشاركة لفتح قنوات تأثير جديدة داخل الأمم المتحدة، وضمان أن تكون جزءاً من أي ترتيبات سياسية تخص غزة مستقبلاً.
ويضيف أن فرنسا لطالما كانت لاعباً أساسياً في صياغة المبادرات المتعلقة بالسلام العربي – الإسرائيلي، لكن غيابها في العقد الأخير جعلها تخسر قدرتها على المبادرة. لذا، فإن هذه المشاركة تتيح لها موطئ قدم رمزي يعيدها إلى مركز صناعة القرار.
ويؤكد لانوا أن باريس تحاول أيضاً موازنة علاقتها مع واشنطن وتل أبيب من خلال الانخراط المحدود والمشروط، بحيث لا تظهر كطرف منحاز، وفي الوقت نفسه تبقى على صلة مباشرة بالتطورات الميدانية التي ستحدد مستقبل المنطقة.
ويرى أن الرهان الفرنسي الحقيقي هو أن تتحول القوة متعددة الجنسيات إلى منصة تتيح لباريس التأثير في عملية إعادة الإعمار، وهو مجال ترى فيه فرنسا فرصة لتوظيف قدراتها الاقتصادية والدبلوماسية معاً.
الضرورة الاستراتيجية في الشرق الأوسط
أما الدكتور حسام شرف، محلل سياسي متخصص في الشؤون الأوروبية والعربية، فيرى أن انخراط فرنسا في الخطة الأميركية يعكس إدراكاً متزايداً لدى الأوروبيين بأن ترك فراغ في الشرق الأوسط يعني ملؤه من قبل قوى أخرى كتركيا أو روسيا، ولذلك، فإن باريس تتحرك من منطلق “الضرورة الاستراتيجية” أكثر من كونه التزاماً أخلاقياً.
ويشير إلى أن فرنسا، رغم خطابها الإنساني، تسعى لتحقيق مكاسب سياسية واضحة، أبرزها استعادة مكانتها كقوة مؤثرة داخل الاتحاد الأوروبي في الملفات الخارجية، بعدما تراجع نفوذها لصالح برلين.
ويحذر شرف من أن أي تورط عسكري مباشر قد يعرض فرنسا لمخاطر كبيرة، خاصة إذا انهار وقف إطلاق النار أو فشلت الخطة الأميركية في تثبيت الاستقرار. فحينها ستُتهم باريس بأنها شاركت في مشروع لم يجلب سوى المزيد من الفوضى.
ويختتم تحليله بالقول إن النجاح الفرنسي في هذا الملف سيعتمد على قدرتها على الحفاظ على مسافة واحدة من الأطراف كافة، وتقديم نفسها كجسر بين العالمين الغربي والعربي، لا كأداة ضمن الاستراتيجية الأميركية في المنطقة.







