تعيش محافظة السويداء منذ شهور على وقع توترات أمنية متصاعدة أخذت في التعقيد، وبدأت تشكّل عاملاً مؤثراً في معادلات الاستقرار السورية عامة. فالمواجهات التي اندلعت بين فصائل مسلحة وقوى الأمن الداخلي، وما تلاها من استهداف نقاط أمنية في قرية المجدل غرب المحافظة، ليست مجرد أحداث معزولة، وإنما مؤشرات على وضع هشّ في منطقة لطالما تمتعت بهدوء نسبي مقارنة بمحيطها السوري المضطرب. هذه التوترات تعكس تغيرات في البنية الاجتماعية والسياسية داخل السويداء، وتكشف في الوقت نفسه عمّا يسمى «فراغ السلطة» الذي تمددت فيه مجموعات محلية، بعضها يحمل طابعاً مسلحاً منظماً، وآخر يرتبط بشبكات تهريب ومخدرات وشخصيات نافذة تتقاطع مصالحها مع قوى تعمل ضد الاستقرار.
دوامة عنف جديدة
إن إعلان مصدر أمني عن استهداف مسلحين لنقاط أمنية في المجدل في «انتهاك لاتفاق وقف إطلاق النار» يدل على أن المحافظة باتت أمام حالة من فقدان القدرة على فرض أي اتفاقات ميدانية بشكل مستدام، وهو ما يؤكده تصريح مدير الأمن الداخلي في السويداء، الذي تحدث عن «خروقات يومية» تقوم بها فصائل مسلحة. مثل هذه الخروقات لا يمكن فهمها فقط في إطار اشتباكات ظرفية، بل تشير إلى صراع مفتوح بين سلطة الدولة ومحاولات بعض الفاعلين المحليين ترسيخ نفوذهم الميداني. ويبدو أن الخلافات لم تعد مقتصرة على دوافع مطلبية أو احتجاجية، بل باتت تخضع لمنطق صراع القوى على موارد وطرق تهريب ونقاط سيطرة.
وتضيف الاشتباكات التي شهدتها السويداء ليلة الجمعة طبقة جديدة من التعقيد، إذ أسفرت عن سقوط جرحى من قوى الأمن السوري، ما يرفع مستوى التوتر بين الطرفين. فاستهداف بلدات مثل ولغا وتل الأقرع وتل حديد والمزرعة بقذائف الهاون والرشاشات الثقيلة يشير إلى استخدام أسلحة نوعية، ما يعني أن الفصائل المسلحة في المحافظة باتت تمتلك قدرات هجومية تمكنها من تهديد مناطق واسعة، وليس فقط الدخول في اشتباكات محدودة. هذا التطور يعكس تحولاً من مواجهات محلية الطابع إلى اشتباكات أكثر تنظيماً، قد تفتح الباب أمام دوامة عنف جديدة في الجنوب السوري.
دمشق وحق تقرير المصير
يتقاطع ذلك مع تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع خلال زيارته لواشنطن، والتي قال فيها إن «أطرافاً محلية في السويداء دخلت في تحالف مع تجار المخدرات وفلول النظام السابق بهدف عرقلة جهود الاستقرار». مثل هذا التصريح يحمل دلالات سياسية وأمنية متعددة. فمن جهة، يعكس رؤية السلطة المركزية بأن ما يجري في السويداء ليس تمرداً تقليدياً أو صراعاً بين الدولة وجماعات محلية ذات مطالب سياسية، بل يرتبط بشبكات مصالح اقتصادية وأمنية معقدة تستفيد من الفوضى. ومن جهة أخرى، يُظهر أن دمشق باتت تنظر إلى السويداء باعتبارها ساحة يتنافس فيها فاعلون يسعون لخلق «أمر واقع» بعيداً عن سلطة الدولة، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً للسيادة ووحدة البلاد.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل حادثة إطلاق النار على حافلة الركاب على الطريق بين دمشق والسويداء، والتي أدت إلى مقتل شخصين وإصابة آخرين. فهذا النوع من الهجمات يستهدف رمزياً فكرة «ارتباط السويداء ببقية سوريا»، عبر ضرب طرق الحركة المدنية، وتوجيه رسالة بأن المحافظة باتت فعلياً خارج سيطرة الدولة. ويأتي ذلك في ظل خلاف سياسي معلن بين دمشق وبعض الزعامات الدينية في السويداء، وعلى رأسها الشيخ الهجري الذي يدفع باتجاه ما يسميه «حق تقرير المصير»، في مقابل تأكيد دمشق على الاندماج الكامل للمحافظة ضمن سوريا وفق البيان الثلاثي مع واشنطن والأردن. هذا التباين يكشف البعد السياسي للتوترات، ويشير إلى وجود نزعة لدى بعض الأطراف المحلية للتحرك نحو شكل من أشكال الإدارة الذاتية، ولو بشكل غير معلن، ما يعمّق التوتر مع السلطة المركزية.
الصراعات القبلية وتأثيرها على مسار الحل السياسي
وتتجذر الأزمة أكثر حين نسترجع الاشتباكات التي وقعت في يوليو الماضي بين مسلحين دروز وعشائر من البدو، والتي استدعت تدخلاً أمنياً لوقف النزاع. فالصراع بين المكونات الاجتماعية داخل المحافظة ومحيطها ليس جديداً، لكنه أعيد إلى الواجهة في ظل ضعف الدولة وتراجع قدرتها على فرض توازنات مستقرة بين المجموعات المحلية. هذه الاشتباكات تعكس هشاشة النسيج الاجتماعي، وتظهر أن المحافظة لم تعد بمنأى عن الصراعات القبلية والمناطقية التي ضربت مناطق أخرى في سوريا. ومع غياب مؤسسات قادرة على ضبط العلاقة بين المكونات، تتحول أي حادثة محلية إلى صراع أوسع قد يأخذ طابعاً مسلحاً، ما يفاقم هشاشة الأمن ويهدد بنشوء خطوط تماس داخلية.
من الناحية الاستراتيجية، تحمل التوترات في السويداء تأثيرات بعيدة المدى على الاستقرار السوري. فالمنطقة تقع في نقطة حساسة في الجنوب، وتشكل حلقة وصل بين العاصمة دمشق والحدود الأردنية. أي اضطراب فيها يفتح الباب أمام تهديدات متعددة، بما في ذلك إمكانية تسلل مجموعات تهريب المخدرات أو الأسلحة، لا سيما أن الجنوب السوري يُعد أحد أبرز ممرات شبكات المخدرات، التي يحذّر منها الأردن باستمرار. ومن ثم فإن انفجار الوضع في السويداء قد ينعكس مباشرة على الأمن الإقليمي، ويدفع نحو تدخلات خارجية تحت ذريعة حماية الحدود أو منع تهريب المخدرات.
وتكمن خطورة التوترات أيضاً في تأثيرها على مسار الحل السياسي في سوريا. فاستمرار الاشتباكات في السويداء قد يمنح القوى الدولية ورقة جديدة للضغط، خاصة في ظل حساسية المحافظة دولياً باعتبارها موطن الطائفة الدرزية ذات العلاقات الخارجية الممتدة. تصاعد العنف قد يدفع بعض القوى الإقليمية أو الدولية إلى محاولة لعب دور داخل المحافظة، سواء عبر دعم مجموعات محلية أو عبر التواصل مع قيادات دينية أو اجتماعية بهدف خلق نفوذ سياسي. وهذا ما قد يفتح الباب أمام تدويل جديد للملف السوري من مدخل السويداء، في وقت تعمل فيه دمشق على تثبيت سيادتها واستعادة مناطق أخرى.
نشاط شبكات التهريب والعصابات
كما تشير التوترات إلى أزمة أعمق تتعلق بغياب مشروع وطني جامع يمكن أن يحتوي مطالب المكونات السورية المختلفة. فحالة السويداء تعكس شعوراً لدى بعض سكانها بأن الدولة لم تقدّم حلاً لمشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية، في ظل تراجع الخدمات وغياب التنمية. هذا الفراغ سمح بظهور قوى محلية تحمل السلاح تحت ادعاء حماية المجتمع أو الدفاع عن مصالحه، لكنه في الواقع أدى إلى تشظي السلطة وصعود مجموعات لا تخضع لأي منظومة قانونية. وبذلك يصبح أمن المحافظة مرهوناً بحسابات مجموعات متنافرة، وليس بقرارات مؤسسات الدولة.
إن استمرار الوضع على هذه الحال ينذر بتكرار سيناريوهات شهدتها مناطق سورية أخرى حين انزلقت من احتجاجات سلمية أو مطالب محلية إلى مواجهات مسلحة وفوضى أمنية. وبالنظر إلى التداخلات الموجودة في الجنوب، فمن المرجح أن يؤدي أي تصعيد كبير إلى تداعيات واسعة، سواء عبر موجات نزوح، أو عمليات انتقام بين المكونات الاجتماعية، أو عبر تعزيز نشاط شبكات التهريب والعصابات، مما يجعل السيطرة الأمنية أكثر صعوبة ويزيد من كلفة استعادة الاستقرار.
تعكس التوترات الأمنية في السويداء أزمة مركبة تتجاوز حدود المحافظة إلى صلب الاستقرار السوري العام. فهي تكشف هشاشة الدولة في بعض المناطق، وتظهر قدرة الفاعلين المحليين على تعطيل مشاهد الاستقرار، وتؤكد أن الجنوب السوري لا يزال منطقة حساسة مرشحة للاشتعال في حال غياب المعالجة السياسية والاجتماعية العميقة. ويبدو أن استعادة الهدوء في السويداء لن يتحقق فقط عبر الإجراءات الأمنية، بل يتطلب معالجة جذور الأزمة، من إعادة بناء الثقة بين السكان والدولة، مروراً بضبط السلاح المحلي، وصولاً إلى خلق وضع اقتصادي واجتماعي يحدّ من توسع الجماعات الخارجة عن القانون. فبدون ذلك، ستظل المحافظة عنواناً للتوتر، ونقطة ضعف في الجسد السوري المرهق.






