في كلمة تعكس مواقف دول مجلس التعاون الخليجي الثابتة من القضية الفلسطينية، دعا الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، جاسم بن محمد البديوي، المجتمع الدولي إلى الانضمام إلى تحالف حل الدولتين والاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، باعتباره مدخلاً أساسياً لإعادة بناء الثقة وإرساء أسس سلام حقيقي في المنطقة. جاءت تصريحاته خلال مشاركته في أعمال المؤتمر الوزاري الرفيع المستوى للأمم المتحدة بشأن التسوية السلمية لقضية فلسطين، الذي عُقد في نيويورك برئاسة مشتركة بين السعودية وفرنسا، وحضور دولي رفيع.
الاعتراف الكامل بالدولة الفلسطينية
هذه الدعوة، التي تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي لتصل إلى تبنٍّ صريح لمبدأ الاعتراف الكامل بالدولة الفلسطينية، تعبّر عن تحول نوعي في لغة المواقف الإقليمية، لا سيما في ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة. إذ لم تكتفِ دول الخليج، من خلال كلمة أمينها العام، بتجديد التمسك بحل الدولتين، بل طالبت بترجمته إلى خطوات عملية على الساحة الدولية، تبدأ بإعادة تثبيت فلسطين على “الخريطة القانونية والدبلوماسية” للعالم.
البديوي حرص على تأكيد أن القضية الفلسطينية لم تغب يوماً عن اهتمامات مجلس التعاون منذ تأسيسه، في رسالة موجهة إلى الرأي العام العربي والدولي على السواء، تفيد بأن دعم الشعب الفلسطيني ليس موقفاً ظرفياً أو محكوماً بالضغوط السياسية، بل التزام تاريخي يرتبط بمنظومة من المبادئ المرتبطة بالعدالة وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها.
حراك دبلوماسي خليجي
وقد حملت الكلمة إشادة واضحة بالدور الفرنسي، وخصوصاً جهود الرئيس إيمانويل ماكرون، إلى جانب دعم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ما يعكس تنسيقاً سياسياً متقدماً بين الرياض وباريس، ويبرز سعي الدولتين إلى بناء جبهة دولية ضاغطة تعيد القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة الدولية بعد سنوات من التهميش. ويبدو أن رئاسة السعودية المشتركة للمؤتمر تمثل تتويجاً لدورها المتزايد على الساحة الدبلوماسية العالمية، واستثماراً لثقلها السياسي في توجيه دفة النقاش حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي نحو مقاربة أكثر اتزاناً.
في السياق الأوسع، يمكن قراءة هذا الموقف ضمن حراك دبلوماسي خليجي يستهدف ترسيخ الاستقرار الإقليمي عبر معالجة جذور الصراع، وليس فقط مخرجاته. فالدعوة إلى الاعتراف بدولة فلسطين تأتي في وقت تتزايد فيه الضغوط على بعض الدول العربية لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل دون تحقيق أي تقدم فعلي على المسار الفلسطيني. وبهذا، تضع دول مجلس التعاون – عبر خطاب البديوي – خطوطاً فاصلة بين “سلام حقيقي” قائم على العدالة، و”سلام وهمي” يتجاوز الحقوق التاريخية للفلسطينيين.
موقف سياسي متماسك
كما أن التركيز على “الهوية القانونية والدبلوماسية” للدولة الفلسطينية يشير إلى إدراك خليجي متزايد بأهمية ساحة القانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف كأدوات يمكن توظيفها لمناصرة القضية الفلسطينية، في ظل انسداد المسارات التفاوضية التقليدية. ومن هنا، تأتي أهمية المؤتمر الذي تحتضنه الأمم المتحدة، والذي يعيد طرح القضية الفلسطينية بوصفها ملفاً دولياً، لا مجرد شأن إقليمي.
إن كلمة الأمين العام لمجلس التعاون تمثل موقفاً سياسياً متماسكاً يستعيد مركزية القضية الفلسطينية في الوعي الدبلوماسي العربي، ويحث المجتمع الدولي على تجاوز مرحلة التصريحات الشكلية إلى خطوات عملية تبدأ بالاعتراف بدولة فلسطين، باعتباره الخطوة الأولى نحو سلام عادل وشامل في المنطقة.







