تحل الذكرى السنوية الأولى، لبدء العدوان الإسرائيلي المتواصل على مدينة جنين ومخيمها، في وقت لا تزال فيه تداعياته الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية ماثلة بوضوح في تفاصيل الحياة اليومية للسكان، ما يعكس تحوّل العملية العسكرية من حدث أمني مؤقت إلى واقع دائم يُعاد إنتاجه عبر الاقتحامات والهدم والتجريف وتغيير المعالم. فعلى مدار عام كامل، لم يقتصر العدوان على استهداف البنية التحتية والمنازل، بل طال النسيج المجتمعي والاقتصادي والتعليمي والصحي، في إطار سياسة ممنهجة تهدف إلى إعادة تشكيل المخيم جغرافيًا وديموغرافيًا، وتقويض دوره كرمز سياسي ووطني.
وبينما تتصاعد أرقام الشهداء والمعتقلين والنازحين، تتفاقم الخسائر الاقتصادية وتتسع الفجوة التعليمية، في ظل إغلاق المخيم وعزل المدينة وتشديد القيود على الحركة، ما يضع جنين أمام واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخها الحديث، ويعيد طرح أسئلة جوهرية حول صمت المجتمع الدولي، وحدود الحماية القانونية للمدنيين، وإمكانية وقف نزيف مستمر بات يُهدد مقومات الصمود والحياة في المحافظة بأكملها.
تجريف وهدم واعتقالات في جنين
وخلال عام من العدوان، قتلت قوات الاحتلال 62 مواطناً في محافظة جنين، وأصابت أكثر من 300 آخرين، إلى جانب تكثيف الاقتحامات اليومية للمدينة وبلدات المحافظة وقراها، فيما لا تزال قوات الاحتلال تمارس بشكل يومي أعمال التجريف والهدم في حارات المخيم وأحيائه، وتشق الطرق وتواصل تعبيدها، وسط إغلاق كامل للمخيم من جميع مداخله ومنع الدخول إليه. حسب وكالة الأنباء الفلسطينية وفا.
واعتقلت قوات الاحتلال نحو 1470 مواطناً من محافظة جنين منذ الحادي والعشرين من كانون الثاني/يناير الماضي، فيما تواصل تنفيذ حملات احتجاز يومية بعد مداهمة المنازل وتحويل عدد منها إلى ثكنات عسكرية وإجبار الأهالي على إخلائها. حسب بيان نادي الأسير.
وشنت قوات الاحتلال الليلة الماضية حملة مداهمات واستجواب لعدد كبير من المواطنين في بلدتي عجة جنوب جنين واليامون غربا، كما احتجزت نحو 20 مواطناً من بلدة برقين ليوم كامل مساء الثلاثاء قبل الإفراج عنهم لاحقاً. وهدمت قوات الاحتلال ما يقارب 300 بناية سكنية بشكل كامل داخل مخيم جنين، وأجبرت نحو 22 ألف مواطن على النزوح من داخل المخيم ومحيطه، في وقت تواصل فيه تغيير معالمه بشكل جذري، إلى جانب إغلاق مقرات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” ومنع السكان من تلقي الخدمات والتعليم، في خطوة تهدف إلى إنهاء دور الوكالة داخل المخيمات. ووفق مصادر محلية في جنين.
أزمات التجار اليومية في المخيم
وأكد مدير العلاقات العامة في بلدية جنين بشير مطاحن، أن الخسائر المباشرة للمدينة خلال الجزء الأول من العدوان بلغت نحو 320 مليون دولار، موضحاً أن العدوان خلّف دماراً هائلاً في البنية التحتية والشوارع والخدمات العامة، ما أثر بشكل مباشر في حياة المواطنين في عموم المحافظة، فضلا عن أن آثار العدوان لا تزال واضحة حتى اليوم رغم الجهود المستمرة للتعافي. حسب وفا.
التجار اضطروا إلى دفع الإيجارات لمدة أربعة أشهر ونصف شهر دون فتح محلاتهم، ما أدى إلى تكدس البضائع وتلف جزء منها، مضيفاً أن الاقتصاد لا يزال يعاني حتى اليوم من ضغوط كبيرة نتيجة الاقتحامات اليومية التي تجبر أصحاب المحلات على الإغلاق بحلول الساعة الخامسة مساءً، ما يعني فقدان نحو 10% من الحركة الشرائية داخل المدينة. حسب نائب رئيس الغرفة التجارية محمد كميل.
وأشار كميل إلى أن الاقتحامات المتكررة لبلدات المحافظة، ومنها إغلاق حسبة قباطية، تؤدي إلى خسائر يومية تُقدر بنحو 3 ملايين شيقل، كما أن استمرار إغلاق حاجز الجلمة يحرم المحافظة من دخول المتسوقين الذين يضخون أموالاً في السوق المركزي، إذ تسمح سلطات الاحتلال بفتحه لثلاثة أيام سبت فقط شهرياً، ما يقدّر خسارته بنحو 350 مليون شيقل شهرياً.
إغلاق مدارس الأونروا
وعلى الصعيد التعليمي، أدى العدوان إلى إغلاق مدارس الأونروا داخل المخيم، إضافة إلى مدرستين حكوميتين في محيطه، ونقل مقر مديرية التربية والتعليم إلى بلدة برقين، ما أثر بشكل مباشر في انتظام الطلبة الذين توزعوا على مدارس المحافظة بحسب مناطق نزوحهم. كما أثّر إغلاق المخيم في عمل مستشفى جنين الحكومي، حيث أغلقت قوات الاحتلال أحد مداخله بالسواتر الترابية قرب مدخل المخيم، ما أعاق وصول المرضى وصعّب حركة سيارات الإسعاف من المستشفى وإليه.
وفي ظل استمرار العدوان والاقتحامات اليومية، يواجه مخيم جنين وسكانه أوضاعاً إنسانية واقتصادية وتعليمية هي الأصعب منذ عقود، وسط مطالبات متواصلة بتدخل دولي عاجل لوقف الانتهاكات وضمان حماية المدنيين.







