على أرصفة محطة القاهرة المركزية، لا يبدو المشهد عابرًا أو عاديًا. مئات العائلات السودانية تفترش الأرض، تحمل معها ما خف وزنه من المتاع وما ثقل على القلب من الحنين والخذلان. إنها رحلة عودة “اضطرارية” إلى الوطن، لا طوعية كما يشي اسم البرنامج الذي أطلقته السلطات المصرية بالتنسيق مع الجانب السوداني. رحلة بلا أفق، تشبه النفي الذاتي أكثر مما تشبه الرجوع الآمن.
من القاهرة إلى أسوان جنوبًا، فثم إلى معبر “أرقين”، يسير القطار محمّلًا بأحلام منهكة لأكثر من 850 لاجئًا سودانيًا في كل رحلة. إنها سكة حديدية لا تربط مدينتين بقدر ما تختزل المسافة بين الحياة في الهامش والموت في العدم. منذ بداية الحرب في السودان في أبريل 2023، اتّسع نطاق الكارثة حتى باتت تصنّفها الأمم المتحدة كـ”أسوأ أزمة إنسانية في العالم”، وقد تجاوز عدد النازحين داخليًا وخارجيًا حاجز 14 مليونًا، في بلد كان بالكاد يحتمل أزماته قبل أن تُقسمه الحرب بين جنرالين متنازعين على الخراب.
لا وطن يحتضن.. ولا منفى يرحم
لم تكن مصر سوى إحدى محطات الهروب الأولى، وقد فُتحت أبوابها على مصراعيها في الأسابيع الأولى من الحرب، حين تدفق عشرات الآلاف من السودانيين عبر المعابر الحدودية، مدفوعين بالرصاص لا بالأمل. لكن سرعان ما تحولت ضيافة الطوارئ إلى عبء معلن، وضاق الواقع المصري المأزوم أصلًا بسكانه، فما بالك باللاجئين.
اليوم، ومع استفحال الأزمة الاقتصادية في مصر، واشتداد الغلاء وارتفاع الإيجارات وتراجع فرص العمل، بات السودانيون في المدن المصرية يتعرضون لضغوط متزايدة. الخدمات العامة تنهكها الأعداد، والمساعدات الأممية لا تكفي حتى لتأمين الحد الأدنى من الكفاف. لا فرص حقيقية للاندماج، ولا سياسات فاعلة لحماية اللاجئ، ولا حتى نظرة إنسانية عادلة تحترم حاجته لاختبار الحياة بكرامة.
العودة… ليست إلى الوطن بل إلى الحرب
في ظل هذا الواقع، يغدو قرار العودة إلى السودان أقرب إلى مغامرة محكومة بالفقر، لا بالخيار. كثيرون ممن يستقلون القطارات جنوبًا يدركون جيدًا أنهم لا يعودون إلى بيوتهم، بل إلى مناطق تحكمها الميليشيات، أو مناطق نزاع، أو أطلال لا تصلح للحياة. لكنهم، رغم كل شيء، يفضلون البؤس المعروف على التيه المستمر في المنفى.
فالسودان اليوم بلد مكسور السيادة، تتقاسم السيطرة عليه قوات الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان من جهة، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي” من جهة أخرى، وبينهما ملايين المدنيين ممن تقطعت بهم السبل، يُقتلون أو يُهجّرون أو يُستخدمون كدروع بشرية في صراع بلا أفق.
العودة إذن ليست إلى “دولة” تستعيد أبناءها، بل إلى جغرافيا يسودها السلاح وتتنازعها الأجندات الإقليمية والدولية، حيث لا تعليم ولا صحة ولا ماء ولا كهرباء، ولا حتى مؤسسات تحفظ الحد الأدنى من كرامة الإنسان.
مسؤولية متبادلة وأفق مسدود
في هذا المشهد العبثي، تغيب أي مبادرة دولية جدية لإدارة أزمة اللجوء السوداني. الدول المجاورة، وعلى رأسها مصر وتشاد وجنوب السودان، باتت تعاني من عبء لا قدرة لها على تحمّله، بينما يتقاعس المجتمع الدولي عن تقديم الدعم الكافي. أما القوى الغربية، فهي منشغلة بإدارة نتائج الأزمة أكثر من حل أسبابها.
وفي المقابل، لم تُبدِ أي من طرفي النزاع داخل السودان استعدادًا للتنازل أو تقديم تنازلات إنقاذية تنهي المعاناة. فكل من البرهان وحميدتي يتعاملان مع البلاد كغنيمة شخصية، لا كوطن يحتضر. وبين صمتهما، يستمر القطار في رحلته جنوبًا، حاملاً أناسًا لا يبحثون عن وطن، بل عن لحظة نجاة في مكان ما، ولو كان ذلك المكان على حدود الموت.






