بين خيام لا تقي برد الشتاء، ومستشفيات بلا دواء، يواصل أطفال غزة دفع الثمن الأعلى لحرب لم تتوقف فعليًا، ورغم ما يتم الترويج له دوليًا لما يُسمى «وقف إطلاق النار»، تتساقط الأرواح بصمت، أطفال يُقتلون بالرصاص، وآخرون يلفظون أنفاسهم الأخيرة جوعًا أو بردًا، في مشهد يومي يُجسد انهيارًا كاملًا لمعنى الحماية الإنسانية.
على أرض الواقع، لا يبدو «السلام» سوى كلمة بلا معنى، إذ تحاصر العائلات، وتُمنع المساعدات، وتُغلق أبواب العلاج في وجه المرضى، بينما يتحول انتظار النجاة إلى صراع يومي مع الجوع والمرض والخوف. في غزة، لا يحتاج الأطفال إلى بيانات سياسية جديدة، بل إلى حق بسيط في الحياة، ودفء يحمي أجسادهم الهشة، ودواء يُبقيهم أحياء.
سلام يمحو إرادة الفلسطينيين
لا يحتاج الفلسطينيون إلى مهزلة سلام أخرى، ولا إلى مليارديرات جشعين ينظرون إلى غزة من منظور فرص الاستثمار العقاري لا من منظور الشعب، ولا يمكن أن يكون هناك سلام يمحو إرادة الفلسطينيين ويكرس إفلات إسرائيل من العقاب، وما يطالب به الفلسطينيون هو حق تقرير المصير والحق في العيش في دولة آمنة ذات سيادة. أي شيء أقل من ذلك ليس سلاماً، بل هو إدارة دولية للاستعباد والقمع.
وقف إطلاق النار في غزة لم يكن سوى خدعة ساخرة بشأن الترويج لاحتجاز أسرى إسرائيليين بغزة، ومنح الاحتلال حرية مطلقة في تجويع الفلسطينيين وقتلهم واغتيالهم كيفما تشاء. وما يسمى بـ”مجلس السلام” والذي يتم تسويقه على أنه دبلوماسية، يخفي عمليات القتل الإسرائيلية المستمرة، وحصار المساعدات، والتهجير الجماعي، ويحول الإبادة الجماعية إلى عملية مُدارة ومُجازة دولياً. حسب تقرير نشره موقع “بالستاين كرونيكل”، وفق ترجمة وكالة صفا.
وتابع التقرير “لقد انخدع العالم بتصديق خدعة إسرائيلية أخرى، دبرها أمريكيون يُعطون الأولوية للاحتلال ومُولت بأموال دافعي الضرائب الأمريكيين، وسفكت دماء الفلسطينيين. فمنذ إعلان وقف إطلاق النار، استشهد أو جُرح أكثر من 1700 شخص بنيران إسرائيلية. وفي يوم واحد من الأسبوع الماضي، قتلت إسرائيل 11 فلسطينياً في غزة، بينهم ثلاثة صحفيين وأطفال”.
حسابات غربية متطرفة
هذه الهدنة لم تكن سوى تسمية خاطئة، إذ بلغ متوسط عدد الشهداء والجرحى الفلسطينيين 17 شخصًا يوميًا على مدى المئة يوم الماضية. ومن بين هؤلاء، ووفقًا للمتحدث باسم اليونيسف جيمس إلدر، “قُتل أكثر من 100 طفل في غزة منذ الهدنة… طفل أو طفلة يُقتل كل يوم”.
وقال التقرير: “لا يزال ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر ودونالد ترامب متفائلين، مصرّين على أن وقف إطلاق النار “صامد” منذ أوائل أكتوبر/تشرين الأول 2025. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل كانوا سيقولون الشيء نفسه لو قُتل عشرة أطفال يهود إسرائيليين فقط؟ الجواب واضح. ليس هذا تحيّزًا أو جهلًا، بل هو عنصرية: نظام أخلاقي ملطخ بالدماء، وحسابات غربية متطرفة تجعل من الأطفال الفلسطينيين مجرد أشياء يمكن التخلص منها، بينما تُعتبر حياة الأطفال اليهود مقدسة”.
وأكد التقرير أن “جوهر هذه الخدعة يكمن في ما يُسمى بالخط الأصفر، وهو حدود عسكرية غير واضحة المعالم تُشير إلى انسحاب إسرائيلي جزئي كجزء من المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار المزعوم. لقد تحوّل الخط الأصفر إلى فخ، وحدود متحركة، فيما تغيّر إسرائيل مساره في جنح الظلام، وتقتل الفلسطينيين نهارًا، دون رقابة أو إنذار. اعتقد الفلسطينيون أن وقف إطلاق النار يُمثّل فرصة للعودة لتفقد منازلهم المُدمّرة، واستعادة ممتلكاتهم، أو البحث عن نباتات برية لإطعام أطفالهم. لكنهم وجدوا منازلهم تُدمر، ليس في معركة، بل بشكل ممنهج على يد عدو لا يشبع من الكراهية”.
إسرائيل تلعب دور الضحية
ومع استمرار الفظائع الإسرائيلية في غزة، وترويع عصابات يهودية إسرائيلية للقرى الفلسطينية، وإحراق المنازل، والاعتداء على المدنيين بإفلات تام من العقاب، وتوسع المستوطنات اليهودية الجديدة في الضفة الغربية المحتلة، تُصعّد “إسرائيل” التوترات الإقليمية بقصد مُدبّر. يُثير هذا الأسلوب المُعتاد من الخداع مواجهة أوسع لتغيير عناوين الأخبار، ولعب دور الضحية، والتغطية على المسؤولية وسط ضجيج حرب أكبر. ولهذا الغرض، تُحرض إسرائيل علنًا على مواجهة مع إيران في محاولة لجرّ الولايات المتحدة إلى حرب أخرى مُصممة خصيصًا ل”إسرائيل”.
ولاتزال الولايات المتحدة الداعم الرئيسي للاحتلال في تبييض جرائم الحرب عبر الخطاب الدبلوماسي؛ أما موقف أوروبا المتردد لا يقلّ نفاقًا. ففي أواخر عام 2025، ناقش الاتحاد الأوروبي إجراءات عقابية، من بينها تعليق اتفاقية التجارة التفضيلية بسبب انتهاكات “إسرائيل” للقانون الدولي الإنساني. إلا أن هذه الإجراءات جُمدت فور الإعلان عن وقف إطلاق النار المزعوم. وبوقف المساءلة مقابل وقف إطلاق نار مُفترض، منح الاتحاد الأوروبي “إسرائيل” فرصة أخرى.







