يكتسب الثامن عشر من سبتمبر 2025 رمزية خاصة، فهو الموعد النهائي الذي حددته الجمعية العامة للأمم المتحدة لإسرائيل للامتثال للرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في يوليو 2024 بشأن عدم شرعية احتلالها للأراضي الفلسطينية. هذا التاريخ لا يمثل مجرد محطة إجرائية في سلسلة قرارات أممية سابقة، بل يختزل جوهر معركة قانونية وسياسية طويلة بين الفلسطينيين وإسرائيل على شرعية الوجود الاحتلالي. قرار الجمعية العامة A/RES/ES-10/24، الذي أقر قبل عام، وضع لأول مرة سقفاً زمنياً محدداً أمام إسرائيل لسحب قواتها العسكرية، وإنهاء سياساتها الاستيطانية وغير القانونية، وإعادة الأراضي والممتلكات، وفتح الباب أمام عودة اللاجئين الفلسطينيين ودفع التعويضات.
خطاب يتحدى قرارات المحكم
لكن الواقع الميداني والسياسي خلال العام المنصرم لم يُظهر أي مؤشر على استعداد إسرائيل لتنفيذ هذه المطالب. بل على العكس، تصاعدت الحرب على غزة، وتواصلت عمليات التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، بينما مضت الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو في خطاب يتحدى صراحة قرارات المحكمة والشرعية الدولية. هذا التحدي يعكس إيمان المؤسسة الإسرائيلية بأن موازين القوة العسكرية والدعم السياسي من الولايات المتحدة والغرب قادرة على تحييد أي تداعيات قانونية أممية.
في المقابل، يضع هذا اليوم المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمدى جدية النظام متعدد الأطراف. ففشل الأمم المتحدة في إلزام إسرائيل بالقرار يعني أن الأطر القانونية الدولية تفقد قيمتها العملية أمام قوة الأمر الواقع. كما أنه يفتح الباب أمام الفلسطينيين وحلفائهم لمواصلة الدفع باتجاه آليات أكثر حزماً، سواء عبر محكمة الجنايات الدولية أو من خلال الضغط الدبلوماسي والعقوبات الاقتصادية التي باتت أصوات عدة تطالب بها.
القرار الأممي منح الفلسطينيين ورقة قوة سياسية وقانونية غير مسبوقة، إذ أكد بوضوح أن الاحتلال الإسرائيلي غير قانوني وأن على إسرائيل واجباً بإنهائه. غير أن هذا المكسب يظل معلقاً بين شرعية النصوص وعجز التنفيذ، وهو ما يعيد النقاش إلى إشكالية العدالة الدولية التي تتوقف فعاليتها عند حدود مصالح القوى الكبرى.
خرق القانون الدولي
الأهمية الأعمق لهذا التاريخ تكمن في كونه لحظة لتعرية التناقض بين القانون والسياسة، بين ما تفرضه محكمة العدل الدولية من التزامات، وما تسمح به التحالفات الدولية من واقع على الأرض. بالنسبة للفلسطينيين، فإن عدم الامتثال الإسرائيلي لا يُسقط القرار ولا يُفقده قيمته، بل يحوله إلى شاهد إضافي على استمرار خرق إسرائيل للقانون الدولي، ويدعم حجتهم التاريخية في المطالبة بالحقوق الوطنية كاملة. أما بالنسبة لإسرائيل، فإن المضي في تجاهل هذا الاستحقاق يكرس صورتها كدولة فوق القانون، لكنه في الوقت نفسه يضعها أمام مخاطر عزلة سياسية متزايدة على المدى الطويل، حتى لو استمرت الحماية الأميركية في المدى المنظور.
يشكل هذا اليوم لحظة فاصلة ليس فقط في سياق الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل في مصداقية النظام الدولي ذاته. فإما أن يتمكن المجتمع الدولي من ترجمة قراراته إلى أفعال، أو يبقى القانون الدولي مجرد نصوص أخلاقية عاجزة عن مواجهة منطق القوة.




