قوبل إعلان الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» “قسد”، بالتوصل إلى اتفاق «شامل» لبدء عملية دمج متسلسلة للمؤسسات والقوى العسكرية والأمنية والإدارية في شرق سوريا ضمن مؤسسات الدولة، بترحيب واسع على المستويين الإقليمي والدولي، في خطوة وُصفت بأنها تطور مفصلي على طريق إنهاء سنوات من الانقسام وتعزيز وحدة البلاد.
اتفاق الحكومة السورية وقسد
ويعد الاتفاق، الذي أُعلن أمس، أول إطار عملي واضح لتنظيم العلاقة بين دمشق و«قسد»، حيث ينص على إعادة هيكلة الوجود العسكري والأمني في مناطق شمال شرقي سوريا، بما يضمن إدماج هذه القوى تدريجيًا في بنية الدولة السورية الرسمية.
وبحسب بنود الاتفاق، سيتم تشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من «قوات سوريا الديمقراطية»، إلى جانب تشكيل لواء خاص بقوات كوباني أو عين العرب، على أن يكون تابعًا لفرقة عسكرية ضمن محافظة حلب، في خطوة تهدف إلى توحيد القيادة العسكرية وإنهاء حالة الازدواجية في مراكز القرار الأمني.
كما يشمل الاتفاق انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس، مع دخول قوات أمن تابعة لوزارة الداخلية السورية إلى مركزي مدينتي الحسكة والقامشلي، بما يعكس توجهًا نحو إعادة بسط سلطة الدولة على المؤسسات الأمنية والإدارية، وتهيئة المناخ لعودة الاستقرار وتحسين الأوضاع الإنسانية في المنطقة.
وعلى الصعيد الدولي، رحبت المملكة العربية السعودية بالاتفاق، حيث أعربت وزارة الخارجية، في بيان رسمي، عن أملها في أن يسهم هذا الاتفاق الشامل في دعم مسيرة سوريا نحو السلام والأمن والاستقرار، مؤكدة أهمية الحلول السياسية التي تحفظ وحدة الأراضي السورية وتحقق تطلعات شعبها.
علامة فارقة في مسيرة سوريا
من جهته، اعتبر المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم براك، أن الاتفاق يمثل «علامة فارقة» في مسيرة سوريا نحو المصالحة الوطنية والوحدة والاستقرار، مشيرًا إلى أن واشنطن تتابع باهتمام أي خطوات من شأنها تخفيف حدة التوتر وتعزيز الاستقرار في شمال شرقي البلاد.
أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فأكد أن بلاده ستواصل دعم سوريا والشعب السوري على طريق الاستقرار والعدالة وإعادة الإعمار، معتبرًا أن الاتفاق يشكل فرصة حقيقية لإطلاق مرحلة جديدة من الحوار الوطني وإنهاء أحد أكثر ملفات النزاع تعقيدًا.
ويأتي هذا التطور في وقت لا تزال فيه الأوضاع الإنسانية صعبة في شمال شرقي سوريا، حيث تظهر صور نازحين سوريين يفترشون الأرض داخل أحد المساجد في مدينة القامشلي بمحافظة الحسكة، في مشهد يعكس حجم التحديات المعيشية التي تواجه السكان، ويعزز الآمال بأن يفتح الاتفاق الباب أمام تحسن تدريجي في الأوضاع الأمنية والإنسانية على حد سواء.
تحولات سياسية وأمنية متسارعة
جدير بالذكر أن الاتفاق بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» جاء في سياق تحولات سياسية وأمنية متسارعة تشهدها الساحة السورية، مع تصاعد الدعوات الإقليمية والدولية لإعادة توحيد مؤسسات الدولة وإنهاء بؤر الانقسام، خاصة في مناطق شمال شرقي البلاد التي ظلت لسنوات خارج السيطرة الكاملة لدمشق.
وقد فرضت المتغيرات الميدانية، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والإنسانية، الحاجة إلى صيغ جديدة لإدارة هذه المناطق ضمن إطار الدولة السورية.
وخلال السنوات الماضية، شكلت العلاقة بين دمشق و«قسد» واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا، في ظل تداخل الأبعاد العسكرية والسياسية والعرقية، فضلًا عن الوجود الدولي في المنطقة، ورغم جولات تفاوض غير معلنة ومحاولات تنسيق محدودة، فإن غياب اتفاق شامل حال دون الوصول إلى تسوية دائمة، ما أبقى المنطقة عرضة للتوترات الأمنية والاضطرابات، وأثر بشكل مباشر على حياة المدنيين والبنية الخدمية.
ويُنظر إلى الاتفاق الحالي بوصفه خطوة متقدمة نحو إعادة دمج الشمال الشرقي في المنظومة الوطنية السورية، بما قد يسهم في تعزيز الاستقرار الأمني وتهيئة الظروف لعودة النازحين وتحسين الوضع الإنساني، إضافة إلى فتح المجال أمام جهود إعادة الإعمار.
كما يعكس الاتفاق رغبة دولية متزايدة في دفع مسار المصالحة الوطنية السورية، باعتباره مدخلًا أساسيًا لإنهاء الصراع المستمر منذ أكثر من عقد.







