يمثل اعتقال مدير المستشفيات الميدانية في قطاع غزة، الدكتور مروان الهمص، نقطة تحول خطيرة في سياق الاستهداف الإسرائيلي المتصاعد للمنظومة الصحية في القطاع، حيث لم يعد الاستهداف يقتصر على تدمير البنية التحتية الطبية أو تعطيل العمل في المستشفيات، بل بات يشمل شخصيات مركزية تقود الجهود الطبية والإنسانية في ظل الحرب المستمرة.
عملية الاعتقال التي نفذتها قوة خاصة، وسط تأمين طبي وإنساني يفترض أن توفره مؤسسات مثل الصليب الأحمر، تبرز اتساع دائرة الانتهاكات التي تطال الطواقم الطبية. إصابة السائق المرافق واستشهاد مدنيين، أحدهما صحفي، في نفس الموقع، يعزز الانطباع بأن الاستهداف كان محسوبًا ومقصودًا، ويتجاوز السياق العسكري إلى رسائل سياسية وأمنية أكثر عمقًا.
الحرمان المتعمد من العلاج
الحدث لا يمكن فصله عن مسار عام شهد فيه القطاع الطبي الفلسطيني مستويات غير مسبوقة من الانتهاكات، بحسب إحصائيات رسمية تؤكد اعتقال أكثر من 360 من الكوادر الصحية، واستشهاد 1589 منهم منذ بداية الحرب. اعتقال الدكتور الهمص يأتي ضمن هذه السلسلة، لكنه يحمل دلالات إضافية لكونه مسؤولًا مباشرًا عن إدارة المستشفيات الميدانية، التي شكلت البديل الوحيد في مواجهة انهيار النظام الصحي التقليدي نتيجة القصف والتدمير.
في السياق ذاته، يُضاف اعتقال الدكتور حسام أبو صفية مدير مستشفى كمال عدوان إلى المشهد، لا سيما في ظل ما أوردته وزارة الصحة عن تدهور وضعه الصحي بسبب الحرمان المتعمد من العلاج. هذا الأسلوب في التعامل مع الأطباء داخل السجون الإسرائيلية، من حيث التعذيب النفسي، الإهمال الطبي، والعزل، يعكس نمطًا ممنهجًا يهدف إلى كسر الروح المعنوية للطواقم الصحية، وإضعاف قدرتها على الاستمرار في تقديم الخدمات رغم الظروف القاهرة.
غياب أي رد فعل دولي
اعتقال مديري مؤسسات صحية عليا في هذا التوقيت، وفي ظل تفاقم الكارثة الإنسانية في غزة، يوجّه رسائل مزدوجة. على المستوى التكتيكي، تسعى إسرائيل إلى شلّ أي قدرة تنظيمية داخل القطاع الصحي. أما على المستوى الرمزي، فهناك محاولة واضحة لإسكات الأصوات التي توثّق المعاناة وتطالب بتدخل دولي لوقف الكارثة، خاصةً حين تكون هذه الأصوات ذات طابع مؤسسي وتحمل صفة رسمية وحقوقية.
من منظور أوسع، يطرح هذا المسار تساؤلات خطيرة حول جدوى الحماية القانونية التي يفترض أن توفرها المواثيق الدولية للطواقم الطبية، لا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، التي تؤكد صراحةً على حماية العاملين في المجال الصحي أثناء النزاعات. غياب أي رد فعل دولي ملموس بعد هذه الحوادث المتكررة يُفقد هذه الاتفاقيات فعاليتها، ويكرّس بيئة إفلات تام من العقاب.
انهيار المنظومة الطبية
إن استهداف القيادات الصحية لا يؤدي فقط إلى تعطيل العمل الطبي ميدانيًا، بل يؤثر أيضًا في بنية القرار الإغاثي والتنموي في غزة، حيث يشغل هؤلاء المسؤولون مواقع محورية في التنسيق مع المنظمات الدولية، وإدارة الأزمات الصحية، وتوزيع الموارد المحدودة. غيابهم القسري عن المشهد يعمّق الفجوة بين الاحتياج الطبي والقدرة على الاستجابة، ويجعل من المنظومة الصحية أكثر عرضة للانهيار.
في ضوء هذه الدلالات، لا يمكن التعامل مع اعتقال الدكتور الهمص وأمثاله كأحداث فردية معزولة، بل كمؤشر على استراتيجية أوسع تستهدف تفريغ القطاع من بنيته الصحية ومقومات صموده، بما يضيف بعدًا إنسانيًا وأخلاقيًا إضافيًا لأزمة لا تزال مفتوحة على احتمالات أكثر سوءًا.






