لا تزال قضية تجنيد الحريديم للجيش الإسرائيلي، إذ تعد قنبلة موقوتة، قد تنفجر داخل الحكومة الإسرائيلية، حيث أعيدت القضية إلى الواجهة، خاصة بعد أحداث العنف الأخيرة، في مدينة «بني براك».
يتصاعد الوزن الديمغرافي للحريديم يتصاعد بوتيرة سريعة، ما يعني أن تأثيرهم لن يبقى محصورًا في أحياء مغلقة أو أحزاب قطاعية، بل سيمتد إلى الاقتصاد وسوق العمل والتعليم والسياسة العامة، حسب تقديرات نشرها المعهد الإسرائيلي للديمقراطية.
وجاءت أحداث بني براك في لحظة حساسة، إذ يواجه الجيش الإسرائيلي ضغطًا غير مسبوق بسبب حرب ممتدة ونقص في القوى البشرية، بينما تتزايد المطالب داخل المجتمع الإسرائيلي بإنهاء الإعفاءات الواسعة من الخدمة العسكرية.
أعمال شغب واسعة في بني براك
التقرير الذي نشره المعهد الإسرائيلي للديمقراطية هذا الشهر، استند إلى تقديرات سكانية تشير إلى أنه بحلول عام 2050، من المتوقع أن يشكل اليهود الحريديم ما يقارب ربع سكان البلاد. وحلل التقرير تأثير هذا النمو السكاني على معدل التعليم العالي، ومعدل التوظيف، والناتج المحلي الإجمالي في إسرائيل، حسب تايم أوف إسرائيل.
أشار التقرير إلى تحول أكثر جوهرية: إن النمو السكاني السريع للحريديم – الذين ارتفعت نسبتهم من 11% من الإسرائيليين قبل عقد من الزمن إلى ما يقرب من 25% المتوقعة في عام 2050 – يعني أن مواطني هذه الدولة سيفتحون أعينهم ذات يوم على إسرائيل مختلفة تماما.
وأثارت أعمال الشغب في بني براك إدانة واسعة النطاق، ليس فقط من سياسيين من مختلف الأطياف السياسية، بل من قادة الحريديم أنفسهم، الذين دعوا أتباعهم إلى النأي بأنفسهم عن الاحتجاجات، ووصفوا المظاهرات بأنها “تدنيس لاسم الله”.
فرض التجنيد الإلزامي
على مدى عقود، تجنبت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى حد كبير مواجهة حقيقة أن مجتمع الحريديم يعمل بشكل مختلف عن بقية السكان اليهود في البلاد، من حيث التعليم والتوظيف والتمويل الحكومي والخدمة العسكرية. خلال العامين الماضيين، وتحت ضغط من السلطة القضائية، وفي ظل تزايد الإحباط الشعبي إزاء فرض التجنيد الإلزامي بشكل غير عادل، اضطرت الحكومة إلى معالجة الإعفاءات الشاملة من الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي التي يتمتع بها الرجال الحريديم منذ فترة طويلة .
ويرى منتقدون كثر أن مشروع القانون الناتج هو استسلام لمطالب الحريديم، ومن غير المرجح أن يُخفف بشكل ملموس من النقص الحاد في القوى العاملة الذي يُعاني منه الجيش حاليًا. إلا أن ذلك لم يمنع سلسلة من الاحتجاجات الصاخبة (والتي كانت في بعض الأحيان دامية) التي قام بها الحريديم، كما لم يهدئ من حدة الخطاب القاسي الذي يتبناه كبار الحاخامات تجاه الجيش.
في أعقاب أحداث بني براك ومع اقتراب انتخابات هذا العام، يكشف سياسيون معارضون عن خطط لدمج السكان الحريديم الآخذ عددهم بالتزايد وإنهاء المعاملة الخاصة التي يرون أن الحكومة تمنحها لهم. وقد نشر رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت، المنافس الأبرز لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، خطة من خمس نقاط على وسائل التواصل الاجتماعي تشمل الخدمة العسكرية للحريديم، والتمويل الحكومي، والتعليم، وسيادة القانون.
تغيير نمط الحياة
لكن غلعاد مالاخ، الباحث الزميل في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية والمؤلف الرئيسي للتقرير الأخير حول نمو السكان الحريديم، ليس متفائلاً بأن هذه الأفكار ستلقى قبولاً. وقال إن قادة الحريديم سيصورون أي حكومة تحاول تغيير نمط حياة مجتمعهم بشكل حقيقي على أنها “حكومة تدمير”.
وأضاف مالاخ في مقابلة أجراها معه “تايمز أوف إسرائيل”: “أخشى أن يؤدي ذلك في النهاية، في السياق السياسي، إلى انفجار. أقول هذا بأسى”. وتابع قائلًا: “إذا لم يتمكن الإئتلاف الأكثر تأييدًا للحريديم اليوم من التوصل إلى اتفاق بشأن قانون التجنيد، فمن الواضح لي أنه إذا كان هناك إئتلاف غير مؤيد للحريديم، فلا توجد فرصة للتوصل إلى اتفاق مع الحريديم بشأن الخطوط العريضة للقانون.. وإذا كان هناك قانون آخر أكثر صرامة في نظر الحريديم، فسوف يطلقون عليه اسم ’مرسوم التجنيد’، وحينها سيحدث الانفجار”.
أعداد الحريديم تقارب العرب الإسرائيليين
يرى الحاخام يهوشوع بفيفر، الذي يدير معهد “عِيون” للمسؤولية الحريدية ويعمل على دعم الجنود الحريديم في الجيش الإسرائيلي، أن جزءًا من المشكلة الجوهرية يكمن في أن الحريديم نظروا إلى أنفسهم تاريخيًا كأقلية ليست ملزمة بتحمل المسؤولية عن المصلحة الوطنية الإسرائيلية. وقد استمرت هذه الرؤية حتى مع نمو عددهم وتعاظم قوتهم السياسية.
بحلول عام 2050، عندما يُشكّل الحريديم ما يقارب ربع سكان البلاد (ونسبة أعلى من ذلك بين الرجال في سن التجنيد)، قد يصبح الحفاظ على هذه السردية أمرًا بالغ الصعوبة. بالطبع، لا تُمثّل نسبة 25% أغلبية؛ إذ ستجعل أعداد الحريديم قريبة من أعداد العرب الإسرائيليين، الذين لطالما اتهموا المجتمع الإسرائيلي بتهميشهم والتمييز ضدهم، وفي الآونة الأخيرة، بالتقاعس عن كبح موجة الجريمة العنيفة التي تُعاني منها مدنهم.




