تشهد الفترة الحالية، تكثيف الولايات المتحدة تحركاتها الدبلوماسية تمهيدًا لتشكيل قوة دولية لنشرها في قطاع غزة مطلع عام 2026، وذلك في إطار ترتيبات أمنية مرتبطة بالمرحلة التالية من الحرب.
لجنة دولية في غزة
وكشفت تقارير صحفية أمريكية، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، أجرى محادثات مع ما بين 15 إلى 20 دولة لبحث سبل الدعم والمشاركة المحتملة في هذه القوة، إلا أن هذه المشاورات تصطدم بتحفظات جدية من بعض الدول، التي أعربت عن قلقها من مخاطر الانخراط في اشتباكات مباشرة، سواء مع فصائل مسلحة داخل غزة أو حتى مع القوات الإسرائيلية المنتشرة في محيط مناطق العمليات، في ظل غياب قواعد اشتباك واضحة أو تحديد دقيق لمهام القوة وصلاحياتها.
وحتى الآن، لم تُحسم قضايا أساسية تتعلق بتوجيهات التسليح، ومواقع الانتشار، وآليات التدريب، وهو ما يضيف مزيدًا من الغموض إلى طبيعة المهمة المرتقبة، لتمثل هذه العوامل تمثل عائقًا رئيسيًا أمام حسم مشاركة عدد من الدول التي تفضل انتظار صورة أوضح قبل اتخاذ قرار نهائي.
اعتراضات إسرائيلية
وفي السياق ذاته، لم تُوجه دعوة إلى تركيا للمشاركة في الاجتماعات الحالية بسبب اعتراضات إسرائيلية، رغم تأكيد مسؤولين أميركيين أن الباب لم يُغلق تمامًا أمام انضمام أنقرة في مرحلة لاحقة.
فيما كشفت صحف أمريكية، أن تركيا تمارس ضغوطًا دبلوماسية على دول بعينها لثنيها عن المشاركة في القوة الدولية، حيث يُتوقع أن تبدأ القوة في التشكل خلال شهر يناير المقبل، على أن يخضع أفرادها لتدريب محتمل في دولة ثالثة بالمنطقة، قبل تنفيذ انتشار أولي في منطقة رفح، داخل ما يُعرف بـ”الخط الأصفر” الذي تحدده إسرائيل وتخضع السيطرة الأمنية فيه لقوات الجيش الإسرائيلي.
والآن، تأمل واشنطن في تعيين جنرال أميركي لقيادة هذه القوة، حيث يُعد الجنرال جاسبر جيفرز الذي سبق أن أشرف على فريق مراقبة وقف إطلاق النار في لبنان، من أبرز الأسماء المطروحة لتولي هذا المنصب الحساس، خاصة بعد استبعاد توني بلير.
ترتيبات أمنية في غزة
جدير بالذكر أن فكرة نشر قوة دولية في غزة، تأتي في ظل تعقيدات ميدانية وسياسية متراكمة، حيث تسعى الولايات المتحدة وشركاؤها إلى صياغة ترتيبات أمنية تمنع عودة المواجهات الواسعة بعد أي تهدئة محتملة، وتحد في الوقت نفسه من الفراغ الأمني الذي قد تستغله الفصائل المسلحة.
والآن، يُنظر إلى القوة المقترحة بوصفها جزءا من تصور أوسع لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، وليس مجرد انتشار مؤقت محدود المهام.
ويثير المقترح الأميركي تساؤلات واسعة حول طبيعة تفويض القوة الدولية، خاصة في ظل التجارب السابقة لقوات أممية أو متعددة الجنسيات في مناطق نزاع، مثل جنوب لبنان وأفغانستان، خاصة وأن غياب وضوح الصلاحيات وحدود التدخل يضع الدول المشاركة أمام مخاطر سياسية وعسكرية، ويعيد إلى الواجهة مخاوف التورط في صراع مفتوح أو التعرض لاستهداف مباشر من أطراف محلية ترفض الوجود الأجنبي.
مستقبل إدارة غزة
كما يرتبط ملف القوة الدولية ارتباطًا وثيقًا بالخلافات السياسية حول مستقبل إدارة قطاع غزة، إذ لم يُحسم بعد شكل السلطة التي ستتولى الشأن المدني والأمني في القطاع، لذلك تخشى بعض الدول أن يتحول وجودها العسكري إلى عنصر ضغط أو أداة فرض حلول سياسية غير متوافق عليها فلسطينيًا، ما قد ينعكس سلبًا على الاستقرار طويل الأمد.
ومن جهة ثانية، تعتبر التحفظات الإسرائيلية عاملًا حاسمًا في رسم ملامح القوة المقترحة، سواء من حيث مناطق الانتشار أو طبيعة التسليح أو حتى هوية الدول المشاركة، فتصر تل أبيب على الاحتفاظ بهامش واسع من السيطرة الأمنية خاصة في المناطق الحدودية مثل رفح، وهو ما قد يحد من استقلالية القوة الدولية ويثير تحفظات إضافية لدى بعض العواصم المعنية.
وفي المحصلة، تبدو القوة الدولية المرتقبة محكومة بتوازنات دقيقة بين الضرورات الأمنية والحسابات السياسية، في وقت لم تتبلور فيه بعد رؤية متكاملة لمرحلة ما بعد الحرب في غزة، وبينما تراهن واشنطن على تحالف دولي واسع لدعم هذا المسار، يبقى نجاح المبادرة مرهونًا بقدرتها على تجاوز الانقسامات الإقليمية، وتقديم ضمانات واضحة للدول المشاركة، وتحديد أهداف قابلة للتنفيذ على أرض الواقع.




