بعد عقدٍ على ثورة 2011، تبدو تونس أبعد ما تكون عن المسار الديمقراطي الذي بشّرت به تلك اللحظة التاريخية. فمنذ وصول قيس سعيّد إلى الحكم، ثم إحكامه قبضته على مؤسسات الدولة إثر إجراءات 2021، أخذت الضوابط والتوازنات تتآكل تباعًا، في ظل حملة مضادة للمعارضة طالت القضاء والأحزاب والمجتمع المدني وحتى النقابات. آخر الفصول كان ملفًا ثقيلًا عُرف باسم قضية “المؤامرة على أمن الدولة”، والتي حوكم فيها 37 شخصية سياسية ومدنية بارزة. وبرغم تبرئة بعضهم، صدرت في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أحكام قاسية بالسجن تتراوح بين خمس سنوات وخمس وأربعين سنة.
في هذا السياق، جاء توقيف المعارض المخضرم أحمد نجيب الشابي، أحد آخر الأصوات التي بقيت طليقة خارج السجون. اعتُقل في 4 ديسمبر/كانون الأول بعد أيام من تثبيت حكم بسجنه 12 عامًا، في خطوة وصفتها منظمة العفو الدولية بأنها حلقة جديدة من “القمع الأعمى”. ويُعد الشابي، البالغ من العمر 81 عامًا، من أبرز الشخصيات المعارضة منذ عقود؛ فقد ترشح سابقًا للرئاسة، وأسّس جبهة الإنقاذ الوطني، ولعب دورًا في مرحلة الانتقال الديمقراطي عقب سقوط نظام بن علي.
ابنته المحامية، هيفاء الشابي، أعلنت خبر توقيفه وهي تبكي، مشيرةً إلى أن منزل العائلة كان تحت مراقبة أمنية مشددة منذ أيام، قبل أن يُقتاد والدها إلى السجن. وكان الشابي قد ظهر في مقطع مصور قائلاً: “سأدخل السجن وأنا مرتاح الضمير، لأنني لم أرتكب أي مخالفة.”
تزامن ذلك مع تصاعد موجة احتجاجات في العاصمة وعدة مدن، شارك فيها ناشطون من مختلف التيارات السياسية. رفع المحتجون شعارات تندد بما وصفوه بـ”الحكم الفردي” وتطالب بإطلاق سراح الموقوفين، إلى جانب لافتات كُتب عليها: “المعارضة ليست جريمة” و*”الحرية لتونس”*. وشملت الهتافات شعارات تعود إلى ذاكرة 2011، من بينها: “الشعب يريد إسقاط النظام”.
وجاءت هذه التعبئة الشعبية عقب إصدار محكمة الاستئناف أحكامًا مشددة بحق عشرات من السياسيين والمحامين ورجال الأعمال، في إطار القضية نفسها. المعارضون يرون في ذلك دليلاً إضافيًا على تسارع ما يصفونه بـ”المنحى السلطوي” للرئيس، بينما ينفي سعيّد هذه الاتهامات، مؤكدًا أن القضاء يتحرك “في إطار القانون”.
وتشمل قائمة الموقوفين أسماء بارزة مثل شيماء عيسى والعياشي الهمامي ونجيب الشابي، في واحدة من أوسع الحملات السياسية التي تشهدها تونس منذ الاستقلال، ما يجعل البلاد أمام مرحلة دقيقة تتقاطع فيها الأزمة السياسية مع احتجاجات اجتماعية ومأزق اقتصادي متفاقم.
وجاءت هذه التعبئة الشعبية عقب أحكام قضائية مشددة بحق عشرات من السياسيين والمحامين ورجال الأعمال في القضية نفسها. وترى المعارضة في هذه التطورات دليلًا إضافيًا على تسارع ما تصفه بـ”الحكم الفردي”، بينما يتمسك سعيّد بأن الإجراءات تستند إلى القانون وتحمي الدولة من الفوضى.
وتُعد قضية التآمر واحدة من أوسع الملفات السياسية منذ الاستقلال، ما يضع تونس أمام مرحلة تستحضر توترًا سياسيًا واجتماعيًا يتقاطع مع أزمة اقتصادية خانقة، ويثير أسئلة صعبة حول مستقبل التجربة الديمقراطية التي وُلدت قبل 14 عامًا.






