تعود قضية كبار الأسرى الفلسطينيين إلى صدارة المشهد السياسي مجددًا، بعد أن كشفت كواليس مفاوضات شرم الشيخ الأخيرة حجم التوتر الذي سببه هذا الملف الحساس داخل أروقة المفاوضات غير المباشرة بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، فبينما كان الحديث يدور عن تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب في غزة، انفجرت الخلافات حين طرحت المقاومة شرطًا واضحًا: لا هدنة دائمة دون إطلاق سراح الأسرى الكبار والمحكومين بالمؤبدات.
الملف تحوّل إلى اختبار حقيقي لصمود الوسطاء
تشير مصادر سياسية مطلعة إلى أن الملف تحوّل إلى اختبار حقيقي لقدرة الوسطاء الدوليين على الصمود أمام الضغوط الأميركية والإسرائيلية، إذ رفضت تل أبيب أي نقاش حول الإفراج عن رموز تعتبرهم “خطًا أحمر” مثل مروان البرغوثي وأحمد سعدات وعبد الله البرغوثي وغيرهم.
تلك الأسماء لم تكن مجرد معتقلين في نظر الفلسطينيين، بل “رموز وطنية تمثل الذاكرة النضالية للشعب”، على حد وصف مصدر في المقاومة.
وفي خضم المفاوضات، بدا واضحًا أن الطرف الإسرائيلي دخل إلى قاعة النقاش وهو يحمل تعليمات أمنية صارمة بعدم تجاوز هذا الملف، مهما كانت الضغوط. وقال مصدر فلسطيني مطلع على مجريات اللقاءات إن “الوفد الإسرائيلي تلقى أوامر من أعلى المستويات بعدم تقديم أي تنازل في ملف الأسرى الكبار، حتى لو أدى ذلك إلى انهيار الاتفاق بأكمله”.
ولم تكن المداولات في شرم الشيخ سهلة، إذ شهدت جلسات متوترة امتدت لساعات طويلة، تخللتها تدخلات أميركية مباشرة. وكشف المصدر أن المبعوث الأميركي الخاص أرسل رسالة تهديد واضحة للمقاومة مفادها أن “أي رفض للاتفاق بصيغته الحالية سيعني عودة الحرب إلى غزة بدعم سياسي أميركي كامل”.
هذه الرسالة، كما يقول المصدر، كانت “لحظة الانعطاف” التي غيرت مسار النقاش داخل القاعة.
الفصائل ترفض التخلي عن موقفها
ورغم هذا الضغط، رفضت الفصائل الفلسطينية التخلي عن موقفها، وقال قيادي بارز شارك في المفاوضات إن “القبول باتفاق لا يتضمن الإفراج عن رموز الحركة الأسيرة يعني عمليًا إفراغ الاتفاق من مضمونه السياسي والإنساني”، وأضاف: “هؤلاء ليسوا مجرد سجناء.. إنهم جزء من الوعي الجمعي الفلسطيني، وتحريرهم شرط لأي مصالحة وطنية أو هدنة حقيقية”.
في المقابل، اعتبرت إسرائيل أن أي إفراج عن هؤلاء الأسرى سيُعدّ “هزيمة سياسية وأمنية” لا يمكن تبريرها أمام الرأي العام الإسرائيلي، خاصة بعد الحرب الطويلة في غزة، وأكدت دوائر أمنية إسرائيلية أن الإفراج عن البرغوثي وسعدات وسلامة “سيعيد شرعية المقاومة إلى الواجهة” ويقوض أي مسعى لإضعاف حماس سياسيًا.
وفي محاولة للخروج من المأزق، قدّمت المقاومة الفلسطينية مقترحًا قانونيًا وسياسيًا مبتكرًا، يقضي بتحويل وضع كبار الأسرى من “معتقلين أمنيين” إلى “مقيمين خاضعين لإقامة مشروطة” في دولة ثالثة بإشراف الأمم المتحدة، ووفق الوثائق التي حصلت عليها مصادر عربية، فإن المقترح طرح قطر وتركيا ومصر كخيارات محتملة لاستضافة هؤلاء القادة لفترة مؤقتة تمتد بين ثلاث وخمس سنوات.
الفكرة، كما أوضح أحد أعضاء الوفد الفلسطيني، “توفّر لإسرائيل ضمانًا أمنيًا مؤقتًا، وتحفظ في الوقت ذاته كرامة الأسرى وحقهم في الحرية”. وأضاف أن “المقترح لا يعني التنازل عن قضية الأسرى، بل يُعدّ حلاً مرحليًا لحين الوصول إلى تسوية شاملة”.
لكن هذا الطرح واجه رفضًا إسرائيليًا قاطعًا، فوفقًا لتسريبات إعلامية عبرية، رأت حكومة تل أبيب أن نقل الأسرى إلى دولة ثالثة “سيُفسر دوليًا كإفراج غير مباشر عن إرهابيين”، وهو ما سيُضعف الموقف الإسرائيلي أمام اليمين المتطرف الذي يضغط لعرقلة أي تنازل للفلسطينيين.
واشنطن والحل الوسط
من جهتها، حاولت واشنطن دفع الأطراف نحو “حل وسط”، لكنها اصطدمت برفض مزدوج: فالفلسطينيون أصروا على إدراج الملف ضمن المرحلة الثانية من الاتفاق، فيما رفض الإسرائيليون مجرد مناقشة الأسماء. ونتيجة لذلك، بقي الملف مفتوحًا ومعلّقًا، ما جعل اتفاق غزة مهددًا بالانهيار في أي لحظة.
ويؤكد دبلوماسي عربي شارك في الوساطة أن الملف تحول من قضية تفاوضية إلى معركة رمزية، وقال: “المقاومة تعتبر الأسرى الكبار عنوانًا للكرامة الوطنية، وتخشى أن قبول اتفاق دونهم سيُفهم كتنازل تاريخي”، ويضيف الدبلوماسي أن المفاوضات “كادت تنهار بالكامل” حين أصرّ الوفد الإسرائيلي على حذف أسماء محددة من أي قائمة تبادل مقبلة، وفي تلك اللحظة، تدخلت القاهرة لاحتواء الموقف عبر اقتراح تشكيل لجنة متابعة مشتركة تُبقي الملف قيد النقاش في المرحلة الثانية.
لكن هذه التسوية المؤقتة لم تُرضِ المقاومة التي أعلنت في بيان داخلي أن ملف الأسرى “لن يُطوى إلا بالإغلاق الكامل”، مؤكدة أن المرحلة الثانية من الاتفاق ستكون “اختبارًا لمصداقية المجتمع الدولي”.
وتؤكد مصادر فلسطينية أن الوفد المفاوض أبلغ الوسطاء بأن أي تأجيل إضافي في هذا الملف “سيُعتبر خرقًا جوهريًا للاتفاق”، وأن المقاومة ستتعامل معه “وفق خيارات ميدانية مفتوحة”، في إشارة إلى احتمال استئناف العمل العسكري إذا فشلت المسارات السياسية.
ويرى خبراء سياسيون أن قضية كبار الأسرى أصبحت خط التماس الأخطر بين المقاومة وإسرائيل، لأنها تمسّ جوهر الصراع على الشرعية. فالإفراج عن رموز مثل البرغوثي وسعدات قد يعيد رسم المشهد السياسي الفلسطيني، ويمنح المقاومة زخماً جديداً، في حين تخشى إسرائيل أن يتحول هؤلاء إلى قادة للمرحلة المقبلة في حال جرى إطلاق سراحهم.
ويشير الخبير في الشؤون الإسرائيلية، د. أيمن الرنتيسي، إلى أن “إسرائيل تنظر إلى الأسرى الكبار بوصفهم رأس المشروع المقاوم، وإطلاق سراحهم يعني هدم السردية الأمنية التي بنتها طوال العقدين الماضيين”، ويضيف أن “الحكومة الإسرائيلية تفضّل استمرار الحرب على أن تفرج عن أسماء كهذه”.
التمسك بالملف يعكس جوهر المعركة
أما من الجانب الفلسطيني، فيرى المحلل السياسي هاني المصري أن “التمسك بملف الأسرى يعكس جوهر المعركة الأخلاقية والسياسية، لأن التنازل عنهم يعني خسارة الرواية الوطنية أمام الاحتلال”. ويضيف أن “المقاومة تعلم أن ملف الأسرى هو الورقة الوحيدة التي توحّد الشارع الفلسطيني في ظل الانقسام”.
وفي هذا السياق، وصف القيادي في أحد الفصائل المفاوضة الموقف الأميركي بأنه “انحياز سافر لإسرائيل”، قائلاً إن “التهديدات التي وجهها المبعوث الأميركي للمقاومة كشفت أن واشنطن لا تريد حلاً عادلاً بل تسوية تضمن أمن إسرائيل فقط”.
ويؤكد أن الملف سيبقى على الطاولة مهما طال الوقت، وأن المرحلة الثانية من الاتفاق “لن تبدأ فعليًا ما لم تُحسم هذه القضية”. مشيرًا إلى أن أي تجاهل لها “سيعيد الصراع إلى نقطة الصفر”.
وبينما تواصل الوفود الدولية اتصالاتها، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستقبل إسرائيل بمخرج قانوني يحفظ ماء وجهها، أم أنها ستغامر بإسقاط الاتفاق بأكمله؟
في الأثناء، تتزايد التحركات الشعبية في الضفة وغزة للمطالبة بإطلاق سراح الأسرى الكبار، حيث نظّمت عائلاتهم وقفات أمام مقار الصليب الأحمر، رافعة شعار “لا سلام بلا حرية”.
ويقول أحد ذوي الأسرى: “ابني محكوم بالمؤبد منذ عشرين عامًا، ولا أريد شيئًا من هذه الاتفاقيات إن لم تشمل حريته، إنهم يتحدثون عن إعمار غزة، لكن من يعمّر قلب أم أسير ينتظر؟”.
الأطراف الوسيطة نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد
ومع تزايد الضغط الشعبي والسياسي، تجد الأطراف الوسيطة نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: فنجاح اتفاق غزة بات مرتبطًا بملف لم يكن في الحسبان أن يتحول إلى القنبلة المؤجلة في المفاوضات.
وبحسب مصادر عربية، فإن القاهرة تدرس عقد اجتماع جديد مطلع نوفمبر المقبل، في محاولة لإعادة إحياء المسار التفاوضي حول الأسرى، لكن الأجواء لا توحي بتقدم وشيك.
لذلك يبدو أن اتفاق غزة يقف على حافة الانفجار الهادئ: هدنة هشة معلقة بخيط الأسرى الكبار، ومرحلة ثانية تتأرجح بين الأمل والانهيار. وبين حسابات الأمن والسياسة، تظل “عقدة الأسرى” أكبر من مجرد بند تفاوضي… إنها معركة هوية ووطن وكرامة، لن تنتهي إلا حين تنكسر قضبان السجون أو تنهار طاولات التفاوض.
عقدة الأسرى بين السياسة والميدان
يرى د. خالد العواضي، الخبير السياسي، أن المقاومة الفلسطينية تدرك تمامًا أن ملف كبار الأسرى هو الورقة الأخيرة التي تملكها في معركة التفاوض بعد عامين من الحرب الطاحنة، فالمعادلة السياسية الآن لا تسمح لها بتحقيق مكاسب ميدانية، لكنها تستطيع عبر هذا الملف إعادة صياغة التوازن النفسي والسياسي مع إسرائيل. ويؤكد أن إبقاء هذا الملف مفتوحًا يُبقي المفاوضات تحت الضغط، ويجعل أي تسوية جزئية رهينة بإرادة المقاومة.
يشير “العواضي” إلى أن الإصرار على الإفراج عن شخصيات مثل مروان البرغوثي وأحمد سعدات لا يقتصر على بعدها الإنساني، بل يحمل بعدًا رمزيًا يتجاوز السجون الإسرائيلية إلى قلب النظام السياسي الفلسطيني نفسه، فهؤلاء القادة يمثلون جسرًا محتملاً بين التيارات الفلسطينية المختلفة، ما يجعل تحريرهم جزءًا من “هندسة ما بعد الحرب”.
ويضيف الخبير أن الوسطاء الدوليين، وخاصة القاهرة والدوحة، يواجهون معضلة حقيقية: فالتنازل عن هذا الملف يعني خسارة الثقة الفلسطينية، بينما الضغط المفرط على إسرائيل قد يؤدي إلى انسحابها الكامل من المسار التفاوضي، لهذا يرى العواضي أن الحل الأقرب سيكون في “نظام الإفراج المشروط تحت إشراف دولي”، كخطوة مرحلية تمهد لتسوية أوسع.
ويحذّر “العواضي” من أن استمرار المماطلة في هذا الملف سيعيد الأوضاع إلى دائرة الصراع. فكل تأجيل إضافي سيُفسَّر داخل غزة كخيانة سياسية، وقد يدفع المقاومة إلى “خيار النار” من جديد، لذا، يعتبر أن مستقبل اتفاق غزة مرهون بمدى مرونة تل أبيب في التعامل مع هذا الملف تحديدًا.
هاجس الأمن الإسرائيلي مقابل معضلة السياسة
فيما توضح د. ليلى الشهابي، باحثة في الشؤون الإسرائيلية والأمن الإقليمي، أن إسرائيل تتعامل مع كبار الأسرى باعتبارهم “القنبلة الرمزية” الأخطر في ذاكرتها الأمنية، لأن الإفراج عنهم سيُفسر داخليًا كإقرار بالهزيمة أمام المقاومة، وتضيف أن المؤسسة الأمنية تخشى من عودتهم إلى الفعل السياسي، إذ يمكن أن يتحولوا إلى رموز تعيد إحياء فكرة المقاومة كخيار سياسي مشروع.
وتلفت “الشهابي” إلى أن حكومة نتنياهو تواجه ضغطًا داخليًا من اليمين المتشدد الذي يرى في أي تنازل للأسرى “طعنة في الظهر”، لذلك، ترفض إسرائيل من حيث المبدأ فكرة الإفراج أو حتى النقل إلى دولة ثالثة. وتوضح أن هذه الحسابات الداخلية هي التي تُقيد القرار السياسي وتحوّل الملف إلى رهينة للمزايدات الحزبية.
وترى الشهابي أن الدور الأميركي في هذا الملف لم يكن محايدًا كما يُروَّج، بل كان منحازًا بوضوح لتثبيت الموقف الإسرائيلي. فالولايات المتحدة تخشى أن يُترجم أي نجاح للمقاومة في قضية الأسرى إلى تصعيد ميداني أو سياسي ضد حلفائها في المنطقة، ولذلك، تفضل واشنطن تجميل الملف إلى حين استقرار الأوضاع الميدانية في غزة.
وتختتم الخبيرة بالتأكيد على أن أي انفجار في ملف الأسرى سيؤثر على مجمل التوازن الإقليمي، خاصة أن القاهرة والدوحة وأنقرة أصبحت أطرافًا مباشرة في التفاهمات. وأي فشل جديد في هذا المسار قد يدفع المنطقة إلى موجة تصعيد جديدة، تعيد الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي إلى نقطة الصفر.
الأسرى الكبار.. رمز الشرعية الوطنية
أما د. طارق المصري، وهو محلل سياسي فلسطيني ومختص في قضايا المقاومة، فيصف كبار الأسرى بأنهم “الشرعية الأخلاقية والسياسية للمقاومة”، ويؤكد أن بقاءهم في السجون يمثل “عقوبة جماعية للشعب الفلسطيني”، لأنهم يشكلون العمود الفقري للقيادة الوطنية الجامعة. ويضيف أن أي اتفاق لا يتضمن حريتهم سيُعتبر فقدانًا لروح النضال الفلسطيني.
يشير “المصري” إلى أن الشارع الفلسطيني أصبح أكثر وعيًا بأهمية هذا الملف، وأن موجة الغضب الشعبي في الضفة وغزة تمثل ورقة ضغط إضافية على المفاوضين. فالناس تعتبر أن تحرير الأسرى هو الثمن الحقيقي للحرب الطويلة، وليس الإعمار أو المساعدات.
ويرى “المصري” أن حركة حماس تواجه الآن اختبارًا مزدوجًا: فهي مطالبة بتحقيق إنجاز سياسي عبر تحرير الأسرى، وفي الوقت ذاته الحفاظ على التهدئة الميدانية وهذا التناقض قد يدفعها إلى اتخاذ قرارات ميدانية جريئة إذا شعرت بأن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود.
ويختم “المصري” بالقول إن ملف كبار الأسرى هو “الفيصل الحقيقي بين السلام والحرب”، فإما أن يُفتح الباب لحل إنساني وسياسي شامل، أو يعود المشهد إلى دورة جديدة من الدم والدمار. مؤكدًا أن “اتفاق غزة لن يعيش طويلًا إذا بقيت قضبان السجون مغلقة أمام رموز الحرية”.







