أثار نشر المستشار التقني لوزير الدفاع الأوكراني سيرغي بيسكريستنوف على تيليجرام، صورة لطائرة روسية من طراز BM-35 تعمل عبر ستارلينك، موجة من التساؤلات حول مدى تطور الاعتماد الروسي على تقنيات الاتصال الفضائي في حرب أوكرانيا، ومدى التهديد الذي قد يشكله ذلك على دول أوروبا الشرقية وحتى قلب الاتحاد الأوروبي.
تُظهر الصورة التي نشرها بيسكريستنوف حطام الطائرة المسيرة في مدينة دنيبرو، التي تبعد حوالي 100 كيلومتر عن خط المواجهة، وهو موقع يعكس قدرة روسيا على توسيع نطاق عملياتها بعيدًا عن مناطق الاشتباك المباشر. لكن ما يلفت الانتباه ليس مكان سقوط الطائرة فقط، بل نوع التكنولوجيا التي كانت تستخدمها، أي نظام ستارلينك، الذي تُعتبره موسكو أداة حاسمة في تطوير قدراتها على التحكم عن بعد في طائراتها بدون طيار.
ستارلينك: من خدمة مدنية إلى أداة حرب متطورة
ستارلينك، التي طورتها شركة سبيس إكس الأمريكية بقيادة إيلون ماسك، كانت في الأصل خدمة مخصصة لتوفير الإنترنت عبر الأقمار الصناعية. لكن الحرب في أوكرانيا أعادت تعريف استخدامها، إذ أصبح من الممكن أن تُستغل كشبكة اتصال عسكرية لتوجيه طائرات مسيرة على مسافات طويلة، مما يفتح بابًا جديدًا من التحديات الأمنية أمام الغرب.
في هذا السياق، يمثل ظهور BM-35 التي تعمل عبر ستارلينك علامة تحوّل نوعيًا في قدرات روسيا، لأن هذا يتيح لها التحكم في طائرات مسيرة على مسافات أبعد بكثير من السابق، مع مستوى أكبر من الاعتماد على الاتصالات الفضائية التي يصعب اعتراضها.
مدى BM-35: تهديد جديد يتجاوز حدود أوكرانيا
وفقًا لبيسكريستنوف، فإن مدى BM-35 يصل إلى 500 كيلومتر، وهو ما يجعلها أكثر قدرة بكثير من طائرات مثل “مولنيا” المستخدمة سابقًا. هذا الرقم ليس مجرد إحصاء تقني؛ بل يحمل دلالات استراتيجية كبيرة، إذ يعني أن روسيا تستطيع الآن أن تطال أهدافًا أبعد بكثير، بما في ذلك دولًا لم تكن ضمن نطاق العمليات السابقة.
هذا التوسع في المدى يضع على خريطة الخطر دولًا مثل مولدوفا ورومانيا ودول البلطيق وفنلندا، إضافة إلى أجزاء من بولندا وبلغاريا. ومع استهداف المدن الأوكرانية، يصبح من الواضح أن معظم العواصم والمدن الكبرى في أوكرانيا، باستثناء لفيف في الغرب، تقع ضمن نطاق هذه الطائرات.
ما الذي يعنيه هذا للغرب؟ إشارة إلى تهديد أوسع
إذا كانت روسيا بالفعل تستخدم ستارلينك لتوجيه طائرات BM-35، فإن هذا يطرح أسئلة جوهرية حول قدرة الغرب على مراقبة واعتراض هذه الطائرات. فالشبكات الفضائية تجعل من الصعب تتبع مسارات الطائرات أو قطع الاتصال عنها، مقارنةً بالأنظمة التقليدية التي تعتمد على ترددات محددة يمكن التشويش عليها أو اعتراضها.
ومن هنا يبرز التحدي الأكبر: كيف يمكن لأوروبا أن تستعد لتهديد يمتد إلى أراضيها، في وقت لا تزال فيه الحرب في أوكرانيا تفرض معادلات جديدة على الأمن الإقليمي؟ فوجود طائرات مسيرة بمدى 500 كيلومتر يعني أن أي تصعيد قد يؤدي إلى ضرب أهداف حساسة داخل دول حلف الناتو، ما يرفع سقف التوتر ويزيد من احتمالات مواجهة أوسع.
خلاصة: الحرب تتجه نحو فضاء جديد من السيطرة والتحكم
ما كشفه بيسكريستنوف ليس مجرد خبر عن طائرة مسيرة، بل إشارة إلى تحول نوعي في طريقة استخدام التكنولوجيا في الحرب. ستارلينك لم يعد خدمة إنترنت فقط، بل أصبح جزءًا من بنية الاتصالات العسكرية التي قد تعيد رسم خطوط الاشتباك في أوروبا.
في نهاية المطاف، ما يحدث هو أن الحرب تتطور من ساحة ميدانية إلى حرب اتصالات فضائية، حيث يصبح التحكم في المعلومات والاتصال هو مفتاح السيطرة، وليس فقط القوة التقليدية. وهذا يضع العالم أمام واقع جديد: حيث تصبح الأقمار الصناعية، وأدوات الاتصالات الفضائية، جزءًا لا يتجزأ من مستقبل النزاعات العسكرية.







