عاد اسم المستشار مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الوطني الانتقالي الأسبق، إلى صدارة الجدل في ليبيا بعد تداول مقاطع فيديو نُسبت إليه ووصفتها منشورات بأنها “فضيحة أخلاقية”.
حتى مساء الإثنين 28 أكتوبر/تشرين الأول 2025، لم تنشر أي وسيلة إعلامية معروفة هذه المواد أو تتحقق منها بصورة مستقلة، كما لم يصدر أي تعليق رسمي من عبد الجليل أو من السلطات الليبية.
الحديث، حتى اللحظة، يدور حول تسريبات غير مؤكدة انتشرت بسرعة بين صفحات التواصل، وأعادت اسم أحد أبرز رموز ثورة فبراير إلى دائرة الضوء بعد أكثر من عقد من الغياب.
من هو عبد الجليل؟
محامٍ وقاضٍ من مواليد البيضاء شرق ليبيا، عُرف بهدوئه ولهجته الدينية المحافظة. شغل منصب وزير العدل في عهد معمر القذافي بين 2007 و2011، قبل أن يستقيل مع اندلاع الاحتجاجات في فبراير 2011، معلناً انضمامه إلى صفوف الثورة.
بعد أيام، تولى رئاسة المجلس الوطني الانتقالي، الذي قاد المرحلة الانتقالية بعد سقوط النظام. في تلك الفترة، كان الوجه المدني للثورة، ومحل إشادة من وسائل الإعلام الغربية باعتباره “ضمير فبراير”.
لكن اسمه ارتبط لاحقاً بقضية اغتيال اللواء عبد الفتاح يونس، القائد العسكري البارز الذي قُتل في ظروف غامضة عام 2011. ورغم استدعائه للتحقيق، ظل عبد الجليل ينفي أي علاقة له بالقضية. تلك الظلال القديمة تفسّر حساسية عودته الآن إلى واجهة الجدل العام.
ما الذي نعرفه وما الذي نجهله؟
بدأت القصة مساء السابع والعشرين من أكتوبر، حين بدأت صفحات ليبية على “فيسبوك” ومواقع محلية بتداول المقاطع المزعومة على نطاق واسع، قبل أن تتحول في اليومين التاليين إلى حديث عام في الشارع الليبي. ومع اتساع رقعة النشر، برزت أصوات من معسكر فبراير تتخذ موقفًا دفاعيًا صريحًا، كان أبرزها تصريح عبد الله ناكر، القائد السابق للّواء القعقاع، إلى جانب عدد من الشخصيات المحسوبة على التيار الثوري، الذين اعتبروا ما يجري حملةً منظمة لتشويه رموز الثورة.
توقيت مشبوه… أم صدفة؟
بين الفضيحة والسياسة
لم تُتعامل القضية داخل ليبيا بوصفها مجرد حادث أخلاقي، بل بدت أشبه بـ اختبار سياسي لذاكرة فبراير بكل ما تمثله من رموز ومعانٍ. فـ مصطفى عبد الجليل لم يكن يومًا مجرد شخصية عابرة في المشهد، بل أحد الوجوه التي شكّلت ملامح المرحلة الانتقالية بعد سقوط القذافي، ورمزًا لزمنٍ كانت فيه الثورة مشروعًا ووعودًا لا تزال حية. لذلك، فإن أي خدش في صورته يُقرأ فورًا على أنه ضربة لرمزية فبراير نفسها، واستثمار في الحرب المستمرة حول شرعية الثورة ومسؤولياتها.
لكنّ الأهم في هذه القصة أنها تكشف، مرة أخرى، هشاشة المشهد الإعلامي الليبي، حيث تتقاطع السياسة مع الخصومات الشخصية، ويتحوّل التسريب الرقمي إلى أداة تصفية حسابات. فالحياة الخاصة صارت سلاحًا يُستخدم في معارك النفوذ، لا سيما في ظل غياب منظومة قانونية وإعلامية قادرة على حماية الخصوصية وردع الابتزاز.
ولعل المقارنة الأوضح هي بين ما يجري اليوم وما حدث عام 2011 في قضية اغتيال عبد الفتاح يونس، حين وُضع عبد الجليل تحت مجهر الاتهام السياسي والقضائي. غير أن الفارق الجوهري بين الحدثين هو زمن المنصات: ففي عصر تنتشر فيه المقاطع والاتهامات خلال دقائق، لا يحتاج الأمر إلى محكمة ولا إلى شهود. تكفي شاشة وهاتف ذكي لتصنع عاصفة قادرة على تدمير سمعة شخص، وربما هزّ صفحة كاملة من ذاكرة بلدٍ لم تلتئم جراحه بعد.
دروس في التغطية
رغم طبيعتها المثيرة، تمثل القضية اختباراً لمهنية الصحافة الليبية والعربية أكثر مما تمثل فضيحة لشخص بعينه.
فالقاعدة الراسخة في العمل الصحفي تقول إن المعلومة لا تُنشر قبل التحقق منها فنياً ومهنياً.
وإلى أن تصدر نتائج فحص رقمي معتمد أو بيان رسمي من الأطراف المعنية، تبقى هذه المواد في إطار الادعاءات المتداولة لا أكثر.
إنّ مسؤولية المؤسسات الإعلامية هنا ليست السبق في النشر، بل التحلي بالانضباط المهني وتجنب الخوض في تفاصيل تمسّ الخصوصية أو إعادة نشر مواد لا يمكن التأكد من صحتها.
فالصحافة، في النهاية، تُختبر في لحظات الإثارة أكثر مما تُختبر في لحظات الهدوء.
بين الحقيقة والرمز
مهما تكن حقيقة ما جرى، فإن القضية أعادت فتح واحدٍ من أكثر الملفات حساسية في الوعي الليبي: ملف رموز ثورة فبراير وموقعهم في المشهد الراهن.
فما حدث لم يكن مجرد ضجة أخلاقية عابرة، بل مرآة تعكس عمق الانقسام الذي لم يُغلق منذ 2011.
خصوم الثورة سارعوا إلى اعتبارها “سقوطًا أخلاقيًا” يفضح مرحلة كاملة، بينما رأى أنصارها في التسريب محاولةً جديدة لتشويه كل ما يمتّ لتلك التجربة بصلة، وضرب مصداقية من مثّلها في بداياتها.
وبين الاتهام والدفاع، يبقى الفيصل الحقيقي في يد التحقيق المهني والقضائي، لا في موجات التعليق والانفعال على المنصات.
ففي بلدٍ لم يتعافَ بعد من حروبه المتلاحقة، أي صورة تهتزّ يمكن أن تُسقط معها رمزًا، وأي اسمٍ يُشطب قد يجرّ خلفه جزءًا من ذاكرة فبراير نفسها.
إنها ليست قضية شخص واحد، بقدر ما هي امتحان لذاكرة وطنٍ لم يحسم بعد روايته عن نفسه.




