تسعى المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة إلى إعادة صياغة موقعها الجيوسياسي في الشرق الأوسط، عبر استراتيجية متعددة الأبعاد تمزج بين القوة الدبلوماسية، والاقتصاد المحرّك للإقليم، والانفتاح السياسي، وبناء شبكات التحالفات، وإعادة تموضع مقصود في الملفات الإقليمية الحسّاسة بهدف تثبيت نفوذها كفاعِلٍ مركزي في المنطقة. تأتي هذه الجهود في سياق تحوّلات عالمية عميقة تتعلق بتراجع الأدوار التقليدية للقوى الكبرى، واشتداد المنافسة الدولية، وتصاعد الأزمات الإقليمية. وفي ضوء ذلك، تعمل السعودية على بلورة دور جديد يجمع بين القيادة الإقليمية التقليدية والرؤية المستقبلية التي أطلقتها «رؤية 2030»، بما يمنحها قدرة أكبر على التأثير في ملفات الأمن الإقليمي، والطاقة، والتنمية، والتقنيات الجديدة.
المسار الدبلوماسي وإعادة ضبط العلاقات الإقليمية
ترتكز السياسة الخارجية السعودية الحالية على مبدأ تهدئة التوترات مع القوى الإقليمية الكبرى وبناء مساحات مشتركة للتعاون، في مقابل تبني خط أكثر استقلالية في إدارة الملفات الاستراتيجية. وقد ظهر هذا التحول بشكل واضح في المساعي التي قادتها الرياض باتجاه المصالحة مع إيران، برعاية صينية، وهو تطور أعاد صياغة ميزان القوى وطبيعة التنافس في الخليج والشرق الأوسط. الهدف الأساسي من هذا المسار هو نقل المنطقة من مرحلة الاستقطاب الحاد إلى توازنات جديدة تسمح للسعودية بقيادة ترتيبات أمنية وتجارية وسياسية أكثر استقراراً.
كما تعمل المملكة على تعزيز علاقاتها مع تركيا ومصر والعراق والأردن وبلدان الخليج، وتحرص على أن تكون مركزاً لمعالجة الأزمات الإقليمية. من هذا المنطلق، تواصل الرياض دورها في الملف اليمني والسعي لتثبيت وقف إطلاق النار، وكذلك في دعم المسارات السياسية في ليبيا ولبنان والسودان عبر الشراكة مع الأطراف الدولية والإقليمية. وتبرز هنا رغبة السعودية في أن تكون «بوابة الحلول» وليست مجرد طرف متأثر بالأزمات.
إعادة تعريف القوة الاقتصادية السعودية كأداة نفوذ إقليمي
تشهد السعودية تحوّلاً كبيراً في دورها الاقتصادي من مجرد قوة نفطية كبرى إلى مركز إقليمي للاستثمار والتجارة والخدمات. فقد باتت المشاريع الضخمة التي أطلقتها، مثل «نيوم» ومدينة «ذا لاين» ومبادرات الاقتصاد الأخضر، جزءاً من أدوات القوة الناعمة والصلبة معاً، إذ تمثل البنية التحتية الجديدة والتوجه نحو الاقتصاد المعرفي نقطة جذب للدول المجاورة والشركات الدولية، وتمنح الرياض ميزة تنافسية تجعلها مركزاً إقليمياً في قطاعات التكنولوجيا والطاقة المتجددة والسياحة والاستثمار.
كما تلعب السعودية دوراً محورياً في أسواق الطاقة العالمية، ليس فقط عبر إدارة إنتاج النفط داخل «أوبك+»، بل من خلال الاستثمار في الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية، والعمل على جعلها جزءاً من معادلة الأمن الطاقي الإقليمي. وهذا التحول يمنحها قدرة أكبر على التأثير في السياسات الاقتصادية للدول المجاورة التي تعتمد على الاستثمارات والتحويلات والتسهيلات السعودية.
إعادة رسم توازنات القوة في الشرق الأوسط
تتجه السعودية نحو صياغة مفهوم جديد للأمن الإقليمي يقوم على مبدأ الشراكات المتعددة بدلاً من الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأميركية. وعلى الرغم من استمرار الشراكة الاستراتيجية بين الرياض وواشنطن، إلا أن المملكة توسّع خياراتها الدفاعية عبر بناء علاقات أعمق مع الصين والهند وكوريا الجنوبية وفرنسا. ويعكس هذا المسار رغبة سعودية في تعزيز الاستقلال الاستراتيجي وامتلاك هامش مناورة أكبر في مواجهة التحديات الإقليمية.
وتسعى المملكة أيضاً إلى وضع إطار أمني خليجي–إقليمي جديد يعالج التهديدات العابرة للحدود، خصوصاً التهديدات البحرية والطائرات المسيّرة والصواريخ. كما تُظهر الرياض اهتماماً متزايداً بملف أمن البحر الأحمر، لكونه ممراً استراتيجياً للتجارة والطاقة، ولارتباطه المباشر بالأمن القومي للسعودية.
الأدوار الإنسانية والتنموية
تتقدم السعودية في السنوات الأخيرة على صعيد المساعدات الإنسانية والمبادرات التنموية، سواء عبر مركز الملك سلمان للإغاثة أو عبر البرامج التنموية الخاصة بالدول الهشة مثل اليمن والسودان وسوريا. هذه المساهمات ليست فقط أدوات دعم، بل جزء من استراتيجية «القوة الناعمة» لتثبيت النفوذ، وتعزيز الصورة الإيجابية للمملكة، وترسيخ دورها كدولة تتحمل مسؤولياتها تجاه استقرار المنطقة.
كما تستثمر المملكة في الدبلوماسية المتعددة الأطراف، من خلال استضافتها للقمم الدولية مثل قمة العشرين، ومشاركتها في المنظمات الدولية والإقليمية، وسعيها لإبراز دورها في معالجة التحديات العالمية مثل التغير المناخي وأمن الطاقة والأمن الغذائي.
الملفات الساخنة
تتعامل السعودية مع الملفات الساخنة في المنطقة من منظور شامل يوازن بين الأمن والسياسة والدبلوماسية. ففي سوريا، تتجه الرياض إلى إعادة دمج دمشق في النظام العربي ضمن رؤية تهدف إلى تقليص النفوذ الإيراني والحد من الفوضى الأمنية. وفي اليمن، تقود المملكة جهود التهدئة وإطلاق العملية السياسية بهدف إنهاء الحرب وتحويل اليمن من ساحة صراع إلى فضاء استقرار.
أما في السودان، فتعمل السعودية بالشراكة مع الولايات المتحدة والإمارات ومصر على الدفع باتجاه وقف إطلاق النار وإطلاق عملية سياسية جديدة، انطلاقاً من إدراكها لخطورة استمرار النزاع على الأمن الإقليمي والبحر الأحمر. وفي غزة، تمارس الرياض دوراً مركزياً في دعم الجهود الرامية إلى تخفيف المعاناة الإنسانية، وإطلاق مسار سياسي يضمن حل الدولتين، وتعزيز التنسيق العربي–الأميركي والدولي لإعادة إعمار القطاع وإعادة الاستقرار إليه.
التحول الداخلي كعنصر قوة إقليمي
لا يمكن فهم المساعي السعودية لتثبيت نفوذها في الشرق الأوسط دون النظر إلى التحولات الداخلية التي تشهدها المملكة. فعملية التحديث الاجتماعي والاقتصادي والثقافي—من تمكين المرأة، إلى تطوير السياحة، إلى التحول الرقمي—تعكس نموذجاً جديداً للقوة الإقليمية يقوم على الحداثة والانفتاح والحوكمة الاقتصادية. هذه الصورة الجديدة تمنح السعودية مصداقية أكبر في قيادة المنطقة نحو التنمية والتغيير، وتضعها في موقع الفاعل الذي يسعى إلى نقل المنطقة من مرحلة الاضطرابات إلى مرحلة الاستقرار والنمو.
تمضي السعودية في مرحلة إعادة تشكيل نفوذها الإقليمي عبر استراتيجية شاملة تجمع بين الدبلوماسية النشطة، والانفتاح على القوى الدولية، والقيادة الاقتصادية، والمساهمة الإنسانية، والتركيز على الاستقرار. هذا النهج يعكس رغبة المملكة في الانتقال من موقع القوة التقليدية المرتبطة بالنفط والتحالفات القديمة إلى قوة حديثة متعددة الأبعاد قادرة على قيادة الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد التحولات العالمية. ومن خلال إدارة الملفات الإقليمية الساخنة، وبناء تحالفات جديدة، وتطوير أدوات نفوذها الاقتصادي والتكنولوجي، تسعى الرياض إلى تثبيت موقعها كقوة مركزية ورئيسية في رسم مستقبل المنطقة.






