بعثت المملكة العربية السعودية خلال الأيام الأخيرة برسائل سياسية واضحة توحي بطيّ صفحة الخلاف الذي طفا على السطح مؤخرًا مع دولة الإمارات العربية المتحدة بشأن تطورات المشهد اليمني، في خطوة عكست إدراكًا مشتركًا لدى الطرفين لحساسية المرحلة الإقليمية وضرورة الحفاظ على متانة التحالف الخليجي.
وقد وصف مراقبون هذا التباين في المواقف بأنه “جزئي ومؤقت”، مرتبط بملف محدد ولا يمس جوهر العلاقة بين دولتين تُعدّان ركيزتين أساسيتين في منظومة الأمن والاستقرار الخليجي.
تصريحات وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، التي شدد فيها على الأهمية البالغة للعلاقة مع الإمارات بالنسبة لاستقرار المنطقة، جاءت لتؤكد أن ما حدث لا يرقى إلى مستوى القطيعة أو الصدام الاستراتيجي، بل يندرج ضمن اختلافات تكتيكية مألوفة بين حلفاء تجمعهم ملفات كبرى ومصالح متشابكة.
جذور العلاقة السعودية-الإماراتية: شراكة تتجاوز الظرف السياسي
لفهم طبيعة هذا الخلاف وحدوده، لا بد من العودة إلى الخلفية التاريخية للعلاقات بين الرياض وأبوظبي. فمنذ تأسيس دولة الإمارات عام 1971، شكّلت العلاقة مع المملكة العربية السعودية أحد أعمدة السياسة الإماراتية، مستندة إلى التقارب الجغرافي، والتجانس الاجتماعي، وتشابه الرؤى تجاه قضايا الأمن الإقليمي.
وعلى امتداد العقود الماضية، تطورت هذه العلاقة من التنسيق التقليدي إلى شراكة استراتيجية شاملة، خاصة بعد قيام مجلس التعاون الخليجي عام 1981، حيث لعب البلدان دورًا قياديًا في صياغة مواقف المجلس تجاه القضايا الإقليمية الكبرى، من أمن الخليج إلى مواجهة التهديدات العابرة للحدود.
وفي السنوات الأخيرة، تعزز هذا التحالف أكثر في ظل التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة، سواء على مستوى صعود الجماعات المسلحة، أو تصاعد النفوذ الإيراني، أو التحديات المرتبطة بأمن الطاقة والملاحة الدولية.
اليمن… ساحة تباين لا ساحة صدام
ظهر الخلاف السعودي-الإماراتي إلى العلن بشكل غير مسبوق على خلفية التطورات العسكرية والسياسية في جنوب اليمن، ولا سيما في المحافظات الخاضعة لسيطرة المعسكر اليمني المعترف به دوليًا. وقد تمحور التباين حول دور المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يحظى بدعم إماراتي، ويحمل مشروعًا سياسيًا يقوم على استعادة دولة جنوب اليمن.
المجلس الانتقالي، الذي لعب دورًا مهمًا في مواجهة الحوثيين وتنظيم القاعدة، وجد نفسه في قلب الخلاف بعد تحركاته العسكرية في محافظتي حضرموت والمهرة، وسيطرته على مناطق كانت بيد قوات موالية للشرعية، والتي يعتبرها المجلس مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين.
من وجهة نظر الرياض، مثّلت هذه التحركات شرخًا داخل معسكر الشرعية الذي استثمرت المملكة فيه سياسيًا وعسكريًا منذ انطلاق التحالف العربي، وهو ما دفعها إلى دعم عمليات عسكرية مضادة، امتدت لاحقًا إلى مناطق تعد معاقل رئيسية للمجلس الانتقالي، وعلى رأسها عدن.
التصعيد الإعلامي… عامل توتير لا يعكس الموقف الرسمي
ترافق التصعيد الميداني مع حملات إعلامية حادة، خاصة من وسائل إعلام يمنية محسوبة على تيار الإخوان المسلمين، ركزت على مهاجمة الدور الإماراتي في اليمن. غير أن هذا التراشق الإعلامي لم يكن انعكاسًا مباشرًا لموقف رسمي سعودي، بقدر ما عبّر عن صراعات داخلية يمنية جرى إسقاطها على العلاقة بين الرياض وأبوظبي.
في المقابل، لا تزال أطراف يمنية عديدة تقرّ بالدور الذي لعبته الإمارات في دعم الاستقرار، سواء عبر المساعدات الإنسانية والتنموية، أو من خلال المواجهة المباشرة مع الحوثيين والتنظيمات المتطرفة.
الانسحاب الإماراتي… براغماتية سياسية وتهدئة محسوبة
في ذروة هذا الجدل، أعلنت الإمارات قرارها الانسحاب من اليمن وإنهاء أي دور مباشر لها في الملف، مؤكدة أن القرار سيادي واتُّخذ بإرادتها المستقلة. وقد فُسّر هذا الموقف على نطاق واسع باعتباره تعبيرًا عن النهج البراغماتي الإماراتي، القائم على خفض التصعيد وتطويق الخلافات قبل تحولها إلى أزمات مفتوحة.
هذا الانسحاب لم يكن تراجعًا عن الشراكة مع السعودية بقدر ما كان إعادة تموضع محسوبة، تراعي المتغيرات الميدانية والسياسية، وتحفظ للإمارات هامش الحركة الدبلوماسية في ملفات إقليمية أخرى.
رسائل الرياض: الحفاظ على التحالف أولوية
بدت السعودية متجاوبة مع هذا التوجه، وهو ما عكسه بوضوح تصريح الأمير فيصل بن فرحان من العاصمة البولندية وارسو، حين قال إن المملكة ستتحمل المسؤولية في حال انسحاب الإمارات من اليمن، معتبرًا أن ذلك يشكّل “حلًا لضمان بقاء العلاقات قوية”.
هذا التصريح حمل في طياته رسالة مزدوجة: تطمين للإمارات بأن الخلاف لن يؤثر على العلاقة الاستراتيجية، وتأكيد على أن الرياض تنظر إلى الشراكة مع أبوظبي باعتبارها خيارًا ثابتًا لا تحكمه تقلبات ملف واحد مهما بلغت تعقيداته.
في المحصلة، يكشف الخلاف السعودي-الإماراتي حول اليمن عن حدود الاختلاف بين الحلفاء أكثر مما يكشف عن تصدع حقيقي. فالعلاقة بين البلدين، المبنية على تاريخ طويل من التنسيق والمصالح المشتركة، أثبتت قدرتها على امتصاص التباينات العابرة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بملفات شديدة التعقيد كساحة اليمن.
وبينما تستمر التحديات الإقليمية، يبدو أن الرياض وأبوظبي حريصتان على إبقاء بوصلتهما الاستراتيجية واحدة، مع إدارة الخلافات بقدر أكبر من البراغماتية والهدوء، بعيدًا عن منطق القطيعة أو التصعيد المفتوح.






