في دهاليز التربية المعاصرة، تجد الأم نفسها دائماً أمام معادلة صعبة: كيف نعلم الأطفال تحمل المسؤولية؟ أوكيف أصنع من طفلي شخصاً مسؤولاً يعتمد على نفسه، دون أن أثقل كاهله بضغوط تحرمه من براءة طفولته؟ إن الخط الفاصل بين “التمكين” و”التحميل” دقيق للغاية، فالمبالغة في التوجيه قد تحول المسؤولية إلى شبح يطارد الطفل، بينما غيابها تماماً قد يخلق شخصية اتكالية تواجه صعوبات في المستقبل.
تؤكد الدراسات التربوية لعام 2026 أن السر لا يكمن في “الأوامر”، بل في تحويل المسؤولية إلى قيمة حياتية تنمو مع الطفل يوماً بعد يوم، بأسلوب يغلبه الدعم وتغيب عنه القسوة.
البداية من المرآة.. الطفل رادار ذكي
قبل أن نطلب من أطفالنا ترتيب غرفهم أو الالتزام بمواعيدهم، علينا أن نتذكر أننا “النموذج الحي” الذي يراقبونه بصمت. الطفل يتعلم بالملاحظة قبل الكلمات؛ فعندما يرى والديه يلتزمان بوعودهما، ويديران وقتهما ببراعة، ويتحملان تبعات قراراتهما، تصبح المسؤولية لديه جزءاً طبيعياً من “إتيكيت” الحياة اليومي، وليست واجباً ثقيلاً مفروضاً عليه من الأعلى.
فن تقسيم المهام وهندسة الخيارات
لا يمكننا أن نطلب من طفل في الخامسة أن “ينظم فوضى غرفته” دون توجيه؛ فهذه المهمة تبدو في عينيه جبلًا من المستحيل. السر يكمن في التبسيط؛ اطلبي منه وضع الألعاب في الصندوق الأزرق أولاً، ثم الملابس في السلة. هذا الإنجاز الصغير يمنحه “نشوة النجاح” ويحفزه للمزيد.
وفي ذات السياق، يبرز سحر “الاختيار المحدود”. بدلاً من الإجبار، امنحيه مساحة للقرار: “هل تود ترتيب كتبك الآن أم بعد تناول وجبتك؟”. هذا التكتيك يزيل الشعور بالضغط ويغرس فيه شعوراً بالسيادة على قراراته، وهو جوهر تحمل المسؤولية.

التشجيع بدلًا من “فخ المثالية”
كثيراً ما نقع كآباء في فخ انتقاد النتائج؛ فإذا رتب الطفل سريره ولم يكن مثالياً، نسارع بالانتقاد. لكن القاعدة الذهبية تقول: “امدح الجهد لا النتيجة”. عبارات الثناء على المحاولة ترفع من دافعية الطفل، بينما العقاب على “عدم الكمال” يولد لديه القلق والخوف من الفشل، مما قد يدفعه للهروب من أي مسؤولية مستقبلاً تجنباً للخطأ.
الحوار الذي يمنح المهمة “معنى”
الأطفال كائنات منطقية أكثر مما نتصور. عندما نشرح للطفل “لماذا” عليه أن يضع حقيبته في مكانها (مثلاً: لكي لا يتعثر بها أحد، أو ليسهل العثور عليها غداً)، فإننا ننقله من مربع “المنفذ للأوامر” إلى مربع “الشريك في الحفاظ على أمان البيت”. هذا الفهم يحول المهمة من عبء ثقيل إلى سلوك واعٍ نابع من الداخل.
إن بناء شخصية مسؤولة هي رحلة طويلة تحتاج إلى الكثير من الصبر والقليل من الضغط. تذكري دائماً أن الأخطاء ليست كوارث، بل هي فرص تعليمية ثمينة، وأن بيئة الدعم التي تخلو من المقارنات السامة هي التربة الوحيدة التي تنمو فيها ثقة الطفل بنفسه وبقدراته.







