لا تُخاض الحروب دائماً من أجل الحسم، بل كثيراً ما تُدار لإعادة ترتيب التوازنات، وما ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مواجهة تقليدية بقدر ما هو عملية إعادة ضبط لموازين القوى تُستخدم فيها القوة لفرض سقوف جديدة، لا لإنهاء الخصم الذي قد يكون بقاء ايديولوجيته ضرورة.
ترامب لم يدخل هذه الحرب لإنقاذ العالم من شر إيران وسلاحها النووي بل لتثبيت موقع أميركا كقوة قادرة على تحريك التوازنات، وإبقاء الاقتصاد العالمي تحت تأثير ارتداداتها، أما إسرائيل فهي أيضا لا تفكر أيضا بمنطق الحسم النهائي، بل بمنطق إعادة توزيع الخطر، فهي لا تبحث عن “قطع رأس الأفعى”، بل عن دفع التهديد بعيداً عنها لسنوات، حتى لو بقي قائماً في أماكن أخرى مادامت السيطرة عليه أو اضعاف قدراته لاتزال مسألة ممكنه.
من هنا تبرز فكرة “البعبع” بوصفها جزءاً من لعبة التوازن، فإيران، في الحسابات الاستراتيجية، ليست خصماً يُراد القضاء عليه بالكامل، بل تهديداً يُراد الإبقاء عليه ضمن مستوى محسوب. وجود هذا التهديد يبرر التحالفات، ويُعيد إنتاج الحاجة إلى الحماية، ويُبقي المنطقة في حالة توتر قابل للإدارة أو لتحقيق مكتسبات سياسية.
ضمن هذا السياق، يمكن فهم هذه المواجهة على أنها إلى ما يشبه مفاوضات قاسية تُدار بالقوة. لا أحد يسعى إلى كسر الآخر نهائياً، بل إلى إجباره على القبول بسقف جديد. وفي نهاية هذا المسار، لن يكون السؤال ما إذا كانت إيران ستخسر برنامجها النووي، بل كيف سيعاد تعريفه، بحيث يبقى قائماً في حدوده الدنيا، تحت رقابة مشددة، كجزء من توازن لا يسمح له بأن يتحول إلى تهديد مفتوح.
وفي ظل كل هذا التصعيد قد تجد إسرائيل نفسها أمام فرصة لعقد اتفاقيات تاريخية، لا كنتيجة لتقارب سياسي تقليدي، بل كمحصلة عكسية للضغوط والتهديدات التي تفرضها إيران على دول الخليج، فالتوتر في مضيق هرمز لم يعد مجرد عامل ضغط، بل أعاد طرح سؤال لم يعد نظرياً: ماذا لو لم يعد هذا الشريان آمناً؟
هنا تبدأ المسألة في التحول من أزمة إلى اتجاه، فدول الخليج لا تبحث فقط عن بديل مؤقت، بل عن مسار مختلف بالكامل. الحديث لم يعد عن تقليل الاعتماد على هرمز، بل عن تغيير الاتجاه الذي تسلكه الطاقة، فالمسار التقليدي كان ينطلق شرقاً، عبر الخليج، ثم يلتف حول الجغرافيا ليصل إلى الأسواق. أما المسار الجديد الذي يُطرح، فينطلق غرباً، مباشرة نحو البحر الأبيض المتوسط. المسافة هنا ليست هي الفكرة، بل الاتجاه.
فمجرد التفكير في نقل النفط نحو المتوسط يفتح الباب أمام دور لموانئ مثل ميناء حيفا، ويعيد إحياء مشاريع كانت تُصنّف في خانة التصورات، مثل قناة بن غوريون. هذه المشاريع لا تُطرح لأنها سهلة، بل لأنها قد تصبح، تحت ضغط الواقع، أقل كلفة من الاستمرار في المسارات التقليدية…. وهنا بيت القصيد.
لذلك فإن إسرائيل بعد هذه الحرب لن تبقى مجرد طرف يسعى إلى التطبيع بوصفه مكسباً سياسياً أو دبلوماسياً، بل فاعلاً يعيد تعريف قواعد اللعبة انطلاقاً من بوابة الطاقة، فمع تصاعد هشاشة الممرات التقليدية، وعلى رأسها مضيق هرمز، تتحول الحاجة الخليجية إلى مسارات بديلة وآمنة لتصدير النفط إلى عامل ضغط حاسم، يمكن توظيفه لإعادة تشكيل خريطة العلاقات في المنطقة.
لطالما كان العائق الحقيقي أمام أي مشروع من نوع “قناة بن غوريون” عائقاً سياسياً بالدرجة الأولى، لا تقنياً ولا مالياً، فالحاجة الملحة قادرة على شق القنوات ومدّ الأنابيب، ورأس المال متوفر حين تتقاطع المصالح، لكن القرار السياسي يبقى العامل الحاسم في فتح هذه المسارات أو إبقائها مجمدة.
قد تجد دول الخليج نفسها أمام معادلة مختلفة: لم يعد السؤال “هل نطبع؟”، بل “كيف نؤمّن تدفق الطاقة في بيئة غير مستقرة؟”. هنا بالضبط، تبرز إسرائيل كحل جغرافي-لوجستي عبر تقديم مسارات أقصر وأكثر أماناً نحو الأسواق الأوروبية، سواء عبر موانئ البحر المتوسط أو عبر مشاريع ربط بري وبحري محتملة.
أما النتيجة الأعمق لهذا التحول فلا تتوقف عند إعادة ترتيب العلاقات العربية-الإسرائيلية، بل تمتد إلى إعادة توزيع موازين القوة في سوق الطاقة العالمي، فإذا أصبحت صادرات الخليج أقرب زمنياً وجغرافياً إلى أوروبا، فإن ذلك سيُضعف تدريجياً من ورقة الضغط التي تستخدمها روسيا عبر صادراتها من الغاز والنفط، خاصة في ظل اعتماد أوروبي تاريخي على هذه الإمدادات.




