كشفت التطورات الأخيرة في بيروت عن تصعيد ملحوظ من جانب «حزب الله» في مواجهة قرار الحكومة اللبنانية القاضي بتطبيق مبدأ «حصرية السلاح» بيد الدولة.
لجأ الحزب إلى تعبئة جمهوره عبر خطاب مذهبـي يقدّم المسألة على أنها «استهداف للشيعة» ومحاولة «لنزع سلاح المقاومة»، بدلاً من كونها خطوة مرتبطة بالدستور والقرارات الأممية.
ويرى مراقبون أن هذا الأسلوب يرفع كلفة أي مواجهة سياسية معه، ويحوّلها إلى صدام مع مكوّن لبناني كامل، لا مجرد حزب.
تظاهرات ودراجات نارية في الضاحية الجنوبية
في مشهد يحمل دلالات رمزية، خرج أنصار الحزب على دراجات نارية في الضاحية الجنوبية لبيروت، رافعين أعلام «حزب الله» احتجاجاً على قرار الحكومة. التحرك بدا رسالة مزدوجة: داخلية تستعرض قوته في الشارع، وخارجية تؤكد أنه لا يزال يمسك بزمام المبادرة الأمنية في مناطقه.
الصور التي انتشرت من قلب الضاحية عكست حجم التوتر، وأكدت أن النقاش حول مستقبل السلاح لن يكون سهلاً ولا قصير الأمد.
الموقف الأميركي: لا تمديد مفتوح لـ«يونيفيل»
في موازاة الحراك الداخلي، برز موقف أميركي أكثر تشدداً حيال بعثة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان (يونيفيل).
فقد كشفت مصادر دبلوماسية أن واشنطن تشترط وضع «جدول زمني واضح» لإنهاء مهمتها، وترفض أي تمديد مفتوح من دون خطة انسحاب.
وتشير المعلومات إلى أن اتصالات ستجري قريباً بين وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو ونظيره الأميركي ماركو روبيو لصياغة موقف مشترك، خصوصاً أن باريس تميل إلى التهدئة وتفضيل صيغة وسطية تحفظ الاستقرار في الجنوب.
باريس بين التهدئة والوساطة
فرنسا، الحليف التاريخي للبنان، تسعى جاهدة لإيجاد صيغة توازن بين المطالب الأميركية والتحديات اللبنانية الداخلية.
باريس تخشى أن يؤدي سحب «يونيفيل» من الجنوب فجأة إلى فراغ أمني يفتح الباب أمام مواجهات بين الجيش اللبناني و«حزب الله»، أو حتى مع إسرائيل. لذلك، تتحرك الدبلوماسية الفرنسية لتأجيل الصدام المباشر، مع ضمان بقاء الضغط على الحزب في ملفات أخرى.
الحكومة اللبنانية في موقف حرج
أوساط حكومية لبنانية أقرت بصعوبة مواجهة «حزب الله» بشكل مباشر، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن مبدأ «حصرية السلاح» بات قضية سيادة وطنية.
وأكدت مصادر وزارية أن التراجع عن القرار قد يضرب صورة الدولة دولياً ويزيد عزلة لبنان أمام المؤسسات المانحة. في المقابل، فإن المضي في المواجهة دون توافق داخلي يهدد بانفجار سياسي ومجتمعي واسع.
رسالة إلى الداخل والخارج
يرى محللون أن مشهد استعراض القوة في الضاحية لم يكن موجهاً فقط ضد الحكومة اللبنانية، بل أيضاً إلى المجتمع الدولي، في محاولة لتأكيد أن أي قرار بفرض «حصرية السلاح» سيصطدم بجدار شعبي صلب.
لكن خصوم الحزب يعتبرون أن هذه «الورقة المذهبية» قد تفقد فعاليتها مع الوقت، خصوصاً إذا استمر الضغط الأميركي وترافق مع تراجع الدعم الإيراني نتيجة الأزمات الإقليمية.
اختبار جديد للجيش اللبناني
الجيش، الذي يُنظر إليه كالمؤسسة الوحيدة القادرة على تنفيذ قرار الحكومة، يجد نفسه بين نارين: الالتزام بالقرار الرسمي، أو تجنب صدام مباشر مع الحزب يهدد السلم الأهلي.
ويؤكد مسؤولون عسكريون أن الجيش لا يرغب في أي مواجهة داخلية، لكنه في الوقت ذاته يرفض أن يكون مجرد «شاهد صامت» على تقويض سيادة الدولة.
ولم تعد المعادلة المطروحة اليوم في لبنان مقتصرة على نقاش دستوري حول السلاح، بل تحولت إلى معركة هوية بين دولة تريد احتكار القرار الأمني، وحزب يعرض نفسه ممثلاً لطائفة بأكملها.
السؤال المطروح: هل يتمكن لبنان من حسم هذه المواجهة سياسياً، أم أن التصعيد المذهبي سيعيد البلاد إلى دائرة الانقسام التي خبرها سابقاً؟






