أمام تصريحات المسؤولين اللبنانيين الأخيرة تبدو قراءة تاريخية تحليلية لمسار تجارة المخدرات في البلاد وإستراتيجيات مواجهتها ضرورة لفهم أين كنا وإلى أين ينبغي أن نذهب. منذ منتصف القرن العشرين اتسم حضور المخدرات في لبنان بنمط متقطع ومحلي، لكن الأزمة الحقيقية انطلقت مع تفجر النزاعات الإقليمية وانهيار مؤسسات الدولة.
الحرب السورية وما رافقها من فراغ أمني وسياسي ونمو لاقتصاد الحرب خلقَ بيئة مثالية لصعود شبكات إنتاج وتهريب المخدرات وتوسيعها من مصانع محلية إلى شبكات إقليمية عبرت الحدود ولا تزال تأثيراتها ممتدة. الكبتاغون تحول إلى رمز هذه المرحلة: منتج سهل التصنيع نسبياً، ذو عائد مالي كبير، لا يحتاج إلى زراعة ولا يخضع لمواسم، ما سمح بتطوره من صناعة تصديرية إلى سلعة تدخل اقتصاديات محلية وتؤثر في بنى اجتماعية وسياسية.
شبكات التهريب وضعف السيطرة على الحدودي
المرحلة التي شهدت ازدهاراً واضحاً هي فترة 2011–2023، حين استفادت شبكات التهريب من ضعف الضبط الحدودي وتعاون جهات مختلفة أو تقاعسها، وظهر دور جهات فاعلة إقليمية وأحياناً مجموعات مسلحة أو متنفذون رسميون يسهلون مرور البضائع لقاء مقابل مادي أو سياسي. في لبنان تحددت مواجهة هذه الظاهرة بتصاعد تدخل الجيش وقوى الأمن والاستخبارات، خصوصاً في البقاع والمناطق الحدودية، مع حملات مداهمة وتفكيك معامل ومطاردة رؤوس الشبكات، ما أدخل القطاع في طور انكماش إلا أن التحدي بقي كبيراً بسبب انتشار أرباح مرتفعة، تعاطف أو تقاعس مجتمعي في مناطق الحرمان، وبنية سوقية إقليمية لا تزال قائمة.
التجربة اللبنانية أثبتت أن المقاربة الأمنية وحدها غير كافية لتحقيق انتصار نهائي. الهزات الأمنية تحقق نتائج ملحوظة (اعتقالات، تدمير معامل، استهداف رؤوس شبكات)، لكنها غالباً ما تترك فراغاً يستغله عناصر آخرون ما لم تُرافقها إصلاحات اقتصادية واجتماعية وقضائية واستراتيجيات شاملة للحد من الطلب. لذلك، تبدو الاستراتيجية القادرة على تحويل التفاؤل الحالي إلى نهاية حقيقية لعالم المخدرات مركبة ومتعددة الأبعاد.
قضائية فعالة لرؤوس شبكات التهريب
أولاً، تعزيز الضبط الحدودي والاستخباري ضرورة لا نقاش فيها: تحسين قدرات المراقبة على المعابر غير الرسمية، رفع كفاءة نقاط التفتيش، استخدام تكنولوجيات كشف متقدمة، وتنسيق استخباري دائم مع الدول المجاورة. لكن هذه الإجراءات يجب أن تُطبق ضمن احترام القانون وحقوق المواطنين لتفادي التحول إلى عامل إقصاء يزيد من الإحباط الاجتماعي.
ثانياً، المسار القضائي والمالي يجب أن يكون حاسماً وشفافاً: ملاحقة قضائية فعّالة لرؤوس الشبكات مع حماية الشهود ونظم محاسبة تُحرّر التحقيقات من الفساد والابتزاز. تجميد أصول ومصادرة ممتلكات متحصلة من تجارة المخدرات يضرب أكثر مما يضرب الضربات الأمنية البسيطة، لذلك بناء وحدات مالية متخصصة لتتبع غسيل الأموال وربطها بتحقيقات المخدرات أمر محوري.
ثالثاً، التنمية المحلية تخفف الدوافع الاقتصادية لانخراط الشباب في شبكات المخدرات. برامج تشغيل وخلق فرص اقتصادية مستدامة في البقاع وعكار والمناطق المهمشة، استثمارات في بنى تحتية وخدمات أساسية، وبرامج تدريب مهني تربط السوق بالعمالة المحلية هي أدوات تقلل من قابلية التجنيد في هذه التجارة. هذه التنمية ليست رفاهية بل أداة أمنية استباقية.
تعزيز آليات الرقابة على الأجهزة الأمنية
رابعاً، الحد من الطلب عبر سياسات صحة عامة وتثقيف: حملات توعية أمام طلاب المدارس والجامعات، برامج علاج وتأهيل مهنية للمدمنين، وتبني نماذج علاج مجتمعية تجعل من الإدمان مسألة صحية وليس فقط جنائية. تقليل الطلب داخلياً يضرب سوق التوزيع المحلي ويخفف من ربحية الشبكات.
خامساً، مكافحة الفساد وتعزيز حكم القانون عاملان حاسمان. حيثما وُجد تواطؤ أو تساهل أو تسريب معلومات، تنجو الشبكات. لذلك تعزيز آليات الرقابة على الأجهزة الأمنية، ونظام شكاوى ومساءلة شفاف، وإصلاحات تشريعية تقلص الثغرات القانونية في التعامل مع المواد الكيميائية والآلات، كلها خطوات ضرورية.
سادساً، التعاون الإقليمي والدولي لا غنى عنه. شبكات تهريب تخترق حدود دولية وتستخدم طرقاً ولوجستيات معقدة؛ لذا تبادل المعلومات، عمليات مشتركة، اتفاقيات تسليم، وضغوط دبلوماسية ومالية على الدول التي تمثل نقاط انتقال أساسية، كلها سياسات تزيد من تكلفة العمل على المهربين.
سابعاً، استهداف بنية العرض بطرق ذكية: إلى جانب المداهمات، يمكن استغلال الضربات القانونية على السلاسل اللوجستية — تجار المواد الخام، مستوردي الأجهزة المشبوهة، الأسواق المالية التي تتحول إلى قنوات لغسيل الأموال — عبر تشديد الشروط الرقابية والجمركية وفرض متطلبات شفافية للتجارة في المواد الكيميائية المستخدمة قانونياً.
إخراج لبنان من اقتصاد المخدرات
ثامناً، استراتيجية إعلامية ومجتمعية تبني توافقاً وطنياً: مقاربة مشكلة المخدرات يجب أن تُقدم كقضية وطنية متجاوزة للانقسامات السياسية. حملات إعلامية مركزة تسلط الضوء على أضرار التجارة وتمجد قصص التعافي كما تكافئ المجتمعات المشاركة في جهود الوقاية، تخلق مناخاً معادياً لرجال العصابات الذين يسعون لشرعنة وجودهم اجتماعياً.
أخيراً، لا بد من الإقرار بأن هذه المعركة مستمرة وطويلة الأمد. النجاحات الأمنية الأخيرة هي مرحلة مهمة لكنها جزء من سلسلة متكاملة من الإجراءات المطلوبة لإخراج لبنان من اقتصاد المخدرات. الاستفادة من تجربة السنوات الماضية تعني تنسيقاً سياسياً غير مسبوق، استمرارية في الطرح الإصلاحي، وإدماج المجتمعات المحلية في الحلول. وإذا كانت تصريحات المسؤولين تعبّر عن إيمان حقيقي بالإصرار على الحل، فإن الرهان الحقيقي يكون بترجمة هذا الكلام إلى ميزانيات مخصصة، خطط زمنية قابلة للقياس، وإجراءات شفافة تتيح للمجتمع المدني والجهات الدولية تقييم التقدم والمساءلة عند التقصير.







