شهدت السلطة الفلسطينية في السنوات الأخيرة تراجعاً لافتاً في حجم الدعم المالي العربي، وهو تراجع لم يكن مفاجئاً لمن تابع التحولات الإقليمية والدولية منذ عام 2019. هذا التراجع، الذي اتخذ طابعاً تصاعدياً من حيث الخطورة، لم يقتصر فقط على تقليص المبالغ المالية، بل شمل أيضاً تغيّراً في السلوك السياسي العربي تجاه القضية الفلسطينية برمتها، انعكاساً لما يمكن اعتباره إعادة ترتيب للأولويات لدى صناع القرار في العواصم العربية.
في عام 2019، بلغ إجمالي ما تلقته السلطة الفلسطينية من الدول العربية حوالي 265.5 مليون دولار، جاءت في معظمها من السعودية، التي قدمت وحدها ما يقرب من 175 مليون دولار، تلتها قطر بمساهمة بلغت نحو 51.5 مليون دولار، ثم الجزائر بما يقارب 28.5 مليون. كانت تلك السنة بمثابة آخر عام يشهد مستوى مستقراً من الدعم العربي المنتظم. لكن مع بداية عام 2020، ووسط تفشي جائحة كوفيد-19 وما تبعها من أزمات اقتصادية متلاحقة، تراجعت المساعدات العربية إلى نحو 40 مليون دولار فقط، أي بانخفاض تجاوز 84 بالمئة.
لم يكن السبب في ذلك اقتصادياً فقط، بل سياسياً أيضاً. فقد تزامن هذا التراجع مع تطبيع بعض الدول العربية لعلاقاتها مع إسرائيل، في سياق ما سمي بـ”اتفاقات أبراهام”، وهي خطوة قوبلت برفض فلسطيني رسمي وشعبي، وأدت إلى توتر غير معلن في العلاقات بين السلطة وبعض العواصم الخليجية، وعلى رأسها أبو ظبي والرياض. بذلك لم تعد فلسطين، في نظر هذه الدول، تمثل القضية المركزية كما كانت، بل تحولت إلى ملف إقليمي مؤجل، يمكن الالتفاف عليه أو التعامل معه من منظور إنساني بحت، وليس سياسياً.
في السنوات التالية، تحديداً 2021 و2022، استمر التراجع بوتيرة أكثر حدة، حتى أن تقارير صادرة عن وزارة المالية الفلسطينية أظهرت غياباً كاملاً لأي دعم عربي مباشر خلال فترات متعددة، وخاصة في الربع الأول من عام 2021. ثم بحلول عام 2023، كان الدعم العربي شبه معدوم، مع استمرار بعض التحويلات الرمزية أو الموسمية من بعض الدول مثل الجزائر، التي بقيت تقريباً الدولة العربية الوحيدة التي تحافظ على مستوى معين من الالتزام، على الرغم من محدوديته مقارنة بالسنوات السابقة.
شهد عام 2024 مفارقة لافتة. فعلى غير المتوقع، عاد الدعم العربي للارتفاع قليلاً، ليصل إلى نحو 150 مليون دولار خلال الأشهر العشرة الأولى، منها 390.4 مليون شيكل قدمتها الجزائر وحدها، فيما ساهمت السعودية بـ74.9 مليون شيكل، والكويت بـ72.7 مليون شيكل. هذا الانتعاش النسبي، وإن كان مهمًا من حيث الرقم، إلا أنه لم يُفسر على أنه عودة عربية جادة نحو دعم حقيقي للسلطة، بقدر ما اعتُبر استجابة لظروف ضاغطة أو محاولة لكبح الانهيار المالي الكامل الذي كان يهدد بنيتها الإدارية.
أما عن الآثار المترتبة على هذا التراجع، فيمكن القول إنها طالت كل مفصل من مفاصل الأداء الحكومي الفلسطيني. فقد أدى انخفاض الدعم إلى عجز مزمن في الموازنة العامة، اضطر معه المسؤولون إلى تقليص الإنفاق العام، بما في ذلك تقليص الرواتب وتأخير صرفها، وتجميد عدد من المشاريع التنموية. كما انعكس الوضع على قطاعي الصحة والتعليم، حيث تراجعت القدرة على تمويل المعدات الطبية والكوادر الصحية، في الوقت الذي لم يعد فيه التعليم العام قادراً على تطوير بنيته التحتية أو الاحتفاظ بالكفاءات التعليمية.
في ضوء هذا الوضع، اضطرت السلطة الفلسطينية إلى توسيع قاعدة التحصيل الضريبي، وهي خطوة زادت من الأعباء على المواطنين، وولّدت تذمراً اجتماعياً انعكس في احتجاجات متفرقة هنا وهناك. كما لجأت السلطة إلى الاقتراض الداخلي، مما زاد من عبء الدين العام، وزاد التبعية المالية للبنوك المحلية.
من زاوية أعمق، فإن تراجع الدعم العربي قد أضعف الموقف التفاوضي للسلطة نفسها، وقلّص من قدرتها على المناورة السياسية، وجعلها أكثر عرضة للضغوط الخارجية، سواء من المانحين الأوروبيين الذين يربطون مساعداتهم بشروط سياسية وإدارية صارمة، أو من الاحتلال الإسرائيلي الذي يتحكم بتحويل أموال المقاصة التي تشكل المصدر الأكبر لإيرادات الحكومة.
المآلات المستقبلية لهذا التراجع لا تبشّر باستقرار قريب، بل تُنذر بتعميق أزمة الثقة بين السلطة والشعب، في حال استمرت الظروف الحالية على ما هي عليه، دون مبادرة عربية حقيقية لإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية على المستوى السياسي والمالي. وحتى ذلك الحين، تبقى السلطة الفلسطينية تسير على خيط رفيع، بين محاولة البقاء الوظيفي وتجنّب الانهيار الكامل.






