في تحرك يعكس قلقاً متنامياً داخل دوائر صنع القرار في واشنطن إزاء المسار المتسارع للأزمة السودانية، أطلقت وزارة الخارجية الأمريكية دعوة واضحة لما وصفته بـ”تحرك دولي عاجل” يهدف إلى وقف تدفق الأسلحة إلى قوات الدعم السريع. وجاء هذا النداء في لحظة حساسة تتزامن مع توسّع العمليات الميدانية للمليشيا شبه العسكرية، وتصاعد قدراتها الهجومية المعتمدة بشكل متزايد على الطائرات المسيّرة، بما ينذر بتحول نوعي في طبيعة الحرب.
وقد اتخذ التحذير الأمريكي طابعاً أكثر إلحاحاً بعد الهجوم الواسع الذي شهدته الولاية الشمالية، حيث استهدفت طائرات مُسيّرة تابعة للدعم السريع سداً رئيسياً في مدينة مروي، في ضربة اعتُبرت من جانب مراقبين مؤشراً خطيراً على أن الصراع آخذ في الانتقال من “حرب السيطرة على المدن” إلى “حرب البنى التحتية”، بما تحمله من مخاطر إنسانية واقتصادية وسياسية مضاعفة.
هذا التصعيد، الذي يأتي بعد أشهر من تبادل الضربات بين الجيش وقوات الدعم السريع، دفع واشنطن إلى توجيه رسائل مبطنة إلى جهات يُعتقد أنها تُسهّل مرور الأسلحة إلى المليشيا، إذ رفض وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو تسمية دولة بعينها، مكتفياً بالقول: “نحن نعرف من هم، وسنتحدث معهم، وإن لم يتوقف هذا الدعم فسوف ينعكس سلباً عليهم وعلى العالم.”
بهذا، تبدو الإدارة الأمريكية وكأنها تنتقل من مرحلة “المراقبة” إلى “الضغط الدبلوماسي متعدد الاتجاهات”، في محاولة لفرملة التقدم العسكري للدعم السريع ومنع ترجيح كفة الحرب لصالح طرف واحد، لما في ذلك من تداعيات مباشرة على أمن الإقليم واستقرار البحر الأحمر وممرات التجارة الدولية.
رسائل روبيو… ضغط دبلوماسي في لحظة حساسة
وقال وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، إن قوات الدعم السريع “لا تزال تتلقى دعماً وتسليحاً يجب إيقافهما فوراً”، مضيفاً أن واشنطن تعرف جيداً “المسار” الذي تعبره هذه الإمدادات، من دون أن يسمّي الجهة المعنية صراحة. ورغم تجنب روبيو ذكر دولة بعينها، فإن تصريحاته جاءت على خلفية اتهامات متزايدة تُوجَّه لدولة الإمارات العربية المتحدة، الحليف المقرب من واشنطن، بتقديم دعم عسكري للنائب السابق لرئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) وقواته، وهي مزاعم تنفيها أبوظبي بشدة.
ويعكس هذا الخطاب الأمريكي محاولة موازنة دقيقة: ممارسة الضغط على أطراف إقليمية مؤثرة دون الدخول في صدام مباشر قد يهدد شبكة التحالفات الأوسع مع الولايات المتحدة، خصوصاً في ملفات الشرق الأوسط والطاقة.
هجوم مروي… تصعيد يفتح الجبهة الشمالية
وفي الوقت ذاته، أعلن الجيش السوداني تصديه لهجوم مُسيّر واسع على مدينة مروي، استهدف مقر قيادة الجيش والمطار وسد مروي، في تحرك هو الأكثر جرأة لقوات الدعم السريع في الولاية الشمالية حتى الآن. وأفاد شهود بإحصاء أكثر من عشرين انفجاراً بين منتصف الليل وفجر الخميس، فيما غرقت المدينة في ظلام تام إثر انقطاع الكهرباء.
توسّع رقعة الهجمات نحو الشمال، بعيداً عن معاقل دارفور وكردفان، يطرح أسئلة حول الاستراتيجية الجديدة للدعم السريع، وعمّا إذا كانت تسعى لفرض معادلة ميدانية تُربك الجيش وتضغط على خطوط إمداده.
دعم أمريكي لوقف النار… لكن الجيش يرفض
وفي خضم هذا التصعيد، أعلنت قوات الدعم السريع قبولها مقترحاً أمريكياً لوقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر، بعد موجة إدانات دولية إثر تقارير عن أعمال قتل بحق مدنيين خلال اقتحام مدينة الفاشر. لكن الجيش السوداني لم يوافق على الهدنة، ما أجهض فرصة سانحة لإيصال مساعدات إنسانية باتت نادرة بعد أكثر من عامين ونصف من الحرب.
رفض الجيش الهدنة يشير إلى أن قيادة القوات المسلحة ترى أن الوقت العسكري لصالحها، أو أنها لا ترغب في منح الدعم السريع فرصة لإعادة تنظيم صفوفه في مناطق فقد السيطرة عليها.
معركة كردفان… مفتاح السيطرة على السودان
وعلى وقع هذا الرفض، تتسارع التطورات في إقليم كردفان، الذي تحول إلى ساحة المواجهة الأكثر حساسية، باعتباره المعبر الاستراتيجي بين غرب البلاد (حيث نفوذ الدعم السريع) ووسطها وشرقها (حيث ثقل الجيش). وسيطرة الدعم السريع على مدينة الفاشر ثم بلدة بارا أعادت رسم خريطة الصراع، ودفعت الطرفين لحشد قدرات جديدة، بما في ذلك الطائرات المُسيّرة التي باتت السلاح الأكثر تأثيراً في الأشهر الأخيرة.
يشكّل تركّز العمليات في كردفان مؤشراً على أن كلا الجانبين يدرك أن السيطرة على هذا الإقليم قد تحدد مستقبل الحرب ومسارات السلطة في السودان.
كارثة إنسانية تتفاقم وسط غياب الإرادة الدولية
إلى جانب الصراع العسكري، تتدهور الأوضاع الإنسانية بصورة غير مسبوقة. فقد أعلنت المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من 90 ألف مدني فرّوا من الفاشر منذ سقوطها، بينما نزح 50 ألفاً آخرون من كردفان. وقالت رئيسة المنظمة، إيمي بوب، إن فجوة التمويل “تجعل وكالات الإغاثة عاجزة عن مساعدة عشرات الآلاف”.
وفي تحذير يحمل طابع الإنذار المبكر، قال رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، إن السودان يعيش “واحداً من أعنف النزاعات في القارة”، وإن الوضع بلغ مستويات “خطيرة من الانهيار”، وسط صمت دولي مقلق.
هل تغيّر واشنطن قواعد اللعبة؟
لا تبدو الدعوة الأمريكية لوقف إمدادات السلاح إلى قوات الدعم السريع مجرد موقف دبلوماسي روتيني؛ بل هي مؤشر واضح على أن واشنطن باتت تنظر بقلق متصاعد إلى التحولات الجارية على الأرض، وإلى ديناميكيات قوة جديدة قد تعيد صياغة قواعد الصراع السوداني. فالتقدم الميداني السريع للدعم السريع، واستخدامه المكثّف للطائرات المسيّرة، وتمدد نفوذه في إقليم كردفان، كلها عناصر توحي – في القراءة الأمريكية – بأن المليشيا تقترب من مرحلة تُصبح فيها لاعباً عسكرياً يصعب فرملته أو احتواؤه.
هذا القلق لا يرتبط فقط بخريطة القوة داخل السودان، بل بما يمكن أن يترتب على استمرار تدفق السلاح عبر الحدود من تداعيات إقليمية أوسع. إذ تخشى واشنطن أن يُفضي اختلال ميزان القوى إلى انفجار دوائر صراع جديدة في منطقة هشة بطبيعتها، تمتد آثارها إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وربما حتى ليبيا وتشاد، حيث تتداخل الولاءات والامتدادات القبلية والعسكرية بشكل معقد.
ولذلك، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تحاول، عبر ضغوطها الدبلوماسية، كبح الاندفاعة المتسارعة للدعم السريع قبل أن تبلغ نقطة اللاعودة، وفي الوقت ذاته إعادة تثبيت موطئ نفوذ لها في ملف سوداني تحوّل خلال العامين الماضيين إلى ورقة ضغط مؤثرة على استقرار أفريقيا، وإلى مجال تنافس بين القوى الإقليمية والدولية.
هذه المقاربة تمثل انتقالاً أمريكياً من مراقبة الصراع إلى محاولة التأثير في مساره، ومن التعامل مع السودان كأزمة محلية، إلى النظر إليه باعتباره مفصلاً استراتيجياً لا يمكن تركه يتطور وفق منطق القوة وحده.






