منذ وصوله إلى الإليزيه عام 2017، قدّم إيمانويل ماكرون نفسه كرئيس إصلاحي يحمل مشروعًا لإنعاش الاقتصاد الفرنسي وتحديث مؤسسات الدولة. لكن ما تحقق على الأرض كان سلسلة من الأزمات المتلاحقة التي أنهكت المجتمع الفرنسي وأضعفت الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم. بدءًا من احتجاجات “السترات الصفراء” التي انفجرت عام 2018 رفضًا لسياسات ضريبية اعتُبرت مجحفة، وصولًا إلى الإضرابات العمالية واحتجاجات الشارع ضد إصلاح نظام التقاعد في 2023، وانتهاءً بحركة “لنغلق كل شيء” التي تعكس حالة السخط العام من السياسات الاقتصادية والاجتماعية. هذه الحركات تكشف عن قطيعة متزايدة بين السلطة والشارع، وتؤشر إلى أن ماكرون يقود فرنسا في واحدة من أكثر المراحل هشاشة منذ عقود.
مشروع موازنة يعمّق الهوة الاجتماعية
أحدث تجليات الأزمة تمثل في مشروع الموازنة الذي طرحه رئيس وزراء ماكرون، فرانسوا بايرو، بهدف تقليص العجز. المشروع تضمّن خفض نفقات بقيمة 43.8 مليار يورو، مع بنود حساسة للغاية كإلغاء يومي عطلة رسمية وتقليص ميزانية الصحة بـ5 مليارات يورو. هذه الإجراءات فُسرت على أنها استهداف مباشر للفئات الأضعف، بينما تواصل الشركات الكبرى التمتع بحوافز ضريبية ودعم حكومي. شعور الفرنسيين بأن الدولة تفرض عليهم تقشفًا قاسيًا في الوقت الذي تترك فيه الكبار خارج دائرة المساءلة، عزّز مناخ الغضب وأعطى زخماً جديداً للاحتجاجات.
حكومة على حافة السقوط
الأزمة الاجتماعية سرعان ما تحولت إلى أزمة سياسية حادة. فدعوة رئيس الوزراء إلى تصويت على الثقة، المقرر في 8 سبتمبر، تكشف إدراك الحكومة لاهتزاز شرعيتها. ورغم أن هذا الإجراء قد يمنحها غطاءً قانونيًا، فإن المؤشرات تشير إلى أن بايرو سيخسر التصويت، ما سيقود إلى استقالة حكومته. هذا السيناريو يعني أن فرنسا ستجد نفسها بلا حكومة ولا ميزانية في لحظة حساسة، وهو وضع يذكر بأزمات سابقة عاشتها البلاد في الثمانينيات والتسعينيات، لكن مع فارق جوهري: أن المجتمع الفرنسي اليوم أكثر استقطابًا، والاحتجاجات أكثر انفلاتًا.
ماكرون والقطيعة مع الشارع
إحدى سمات عهد ماكرون هي الانطباع المتزايد بأنه رئيس بعيد عن الناس. يُنظر إليه من قبل كثيرين على أنه “رئيس النخب”، رجل البنوك والشركات، أكثر من كونه رئيسًا للشعب. هذه الصورة تعززت مع تصريحاته المثيرة للجدل حول “الكسالى” و”الرافضين للإصلاح”، ومع إصلاحات اقتصادية واجتماعية اعتبرها كثيرون موجهة ضد الطبقة الوسطى والطبقات الفقيرة. ماكرون، الذي قدّم نفسه في البداية كجسر بين اليمين واليسار، تحول في نظر منتقديه إلى رمز لسياسة “القطع مع الشعب” والالتصاق بمصالح رأس المال.
مقارنة بالعهود السابقة
عند مقارنة عهد ماكرون بعهود سابقيه، يظهر الفرق بوضوح. صحيح أن فرانسوا هولاند ونيكولا ساركوزي واجها احتجاجات وصعوبات اقتصادية، لكن مستوى الغضب الشعبي خلال فترة ماكرون يبدو غير مسبوق منذ احتجاجات مايو 1968. في تلك الفترة، كما اليوم، نزل الناس إلى الشارع للتعبير عن رفض شامل للنظام القائم، وليس فقط لسياسة بعينها. الفرق أن ماكرون لا يواجه معارضة حزبية قوية يمكن أن تمثل بديلاً، بل يواجه غضبًا شعبياً مفتوحًا، لا يملك أي طرف القدرة على السيطرة عليه.
مستقبل غامض لفرنسا
إذا كانت فترة ماكرون ستُذكر في التاريخ السياسي الفرنسي، فستُسجل كواحدة من أكثر الفترات اضطرابًا. فالرئيس الذي جاء بشعار “فرنسا في مسيرة” يقود الآن بلدًا متعثرًا اقتصادياً، منقسمًا اجتماعياً، ومرتبكًا سياسيًا. ومع بروز حركات مثل “لنغلق كل شيء” التي تستهدف الحكومة والنظام الاقتصادي برمته، تبدو فرنسا مقبلة على مواجهة مفتوحة بين الشارع والدولة. هذه المواجهة قد لا تؤدي فقط إلى سقوط حكومة أو تعديل ميزانية، بل ربما تعيد تشكيل الخريطة السياسية والاجتماعية للبلاد لعقود قادمة.






