قرار واشنطن إرسال قوة إضافية إلى نيجيريا يأتي في لحظة حساسة يتقاطع فيها تصاعد التهديدات الإرهابية مع نقاش داخلي حول حدود التعاون العسكري الأجنبي. فبينما تُقدَّم الخطوة على أنها دعم لوجستي واستخباراتي في معركة مشتركة ضد جماعات مسلحة عابرة للحدود، يطرح وجود قوات أجنبية على الأرض أسئلة قديمة متجددة عن السيادة وحدود الدور الخارجي في أمن دولة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية مزمنة.
ما الذي تغيّر؟ من التدريب إلى الحضور الميداني
التحرك الأميركي لا يقتصر على زيارات بروتوكولية أو تعاون عن بُعد، بل يشير إلى انتقال أكثر وضوحًا نحو دعم ميداني مباشر. فإرسال مئات الجنود، حتى لو وُصفوا بأنهم “فريق صغير”، يعكس قناعة داخل القيادة الأميركية بأن الاكتفاء بالدعم التقني لم يعد كافيًا في مواجهة جماعات تتكيف سريعًا مع الضغط العسكري.
الهدف المعلن هو العمل المشترك وتبادل الخبرات والمعلومات، لا تنفيذ عمليات منفردة. غير أن هذا التفريق بين “الدعم” و”العمل المباشر” غالبًا ما يكون ضبابيًا في سياقات مكافحة الإرهاب، حيث تتداخل الأدوار مع تعقّد المشهد الميداني.
لماذا نيجيريا؟ ساحة محورية في أمن غرب إفريقيا
نيجيريا ليست مجرد دولة تواجه تمردًا محليًا، بل عقدة أمنية في غرب إفريقيا. الجماعات المسلحة التي تنشط في شمالها الشرقي والغربي لا تهدد الداخل النيجيري فقط، بل تمتد تأثيراتها عبر الحدود، ما يجعل الاستقرار النيجيري جزءًا من معادلة أمن إقليمي أوسع.
من هذا المنظور، ترى واشنطن أن دعم أبوجا جزء من استراتيجية أوسع لاحتواء التهديدات العابرة للحدود ومنع تحوّل المنطقة إلى فراغ أمني تستفيد منه شبكات التطرف والجريمة المنظمة.
حساسية الداخل النيجيري: ذاكرة التدخل وحدود القبول الشعبي
رغم الترحيب الرسمي بالتعاون الأمني، لا يغيب القلق الشعبي من أي وجود عسكري أجنبي، خاصة في ظل تاريخ معقّد للتدخلات الخارجية في القارة الإفريقية. تصريحات سياسية أميركية سابقة حول طبيعة العنف في نيجيريا غذّت مخاوف من تسييس الملف الأمني أو اختزاله في سرديات دينية، وهو ما ترفضه السلطات النيجيرية التي تصرّ على أن الأزمة أمنية-اجتماعية متعددة الأبعاد.
هذا التوتر بين الخطاب الخارجي والحساسية الداخلية يجعل أي تعاون أمني مكثف عرضة للتأويل والانتقاد، حتى لو كان الهدف المعلن دعم قدرات الدولة لا الحلول محلّها.
فجوات استخباراتية وحاجة إلى شركاء
إقرار القيادات العسكرية النيجيرية بوجود ثغرات استخباراتية يوضح أحد دوافع تعميق الشراكة مع واشنطن. فالجماعات المسلحة تتحرك في جغرافيا معقدة، وتستفيد من شبكات تهريب وتواطؤ محلي في بعض المناطق، ما يصعّب مهمة جمع المعلومات الدقيقة في الوقت المناسب.
هنا يُنظر إلى التعاون الاستخباراتي على أنه عنصر مضاعِف للقدرة العملياتية، وليس مجرد إضافة تقنية. غير أن هذا الاعتماد المتزايد على شركاء خارجيين يثير نقاشًا حول مدى قدرة نيجيريا على بناء منظومتها الأمنية الذاتية على المدى الطويل دون الارتهان للدعم الدولي.
بين الميدان والسياسة: رسائل تتجاوز نيجيريا
الانتشار الأميركي يحمل رسالة تتجاوز الساحة النيجيرية نفسها: واشنطن تعيد التأكيد على حضورها الأمني في غرب إفريقيا في لحظة تشهد فيها المنطقة تنافس نفوذ متصاعدًا بين قوى دولية مختلفة.
في هذا السياق، لا يُقرأ الدعم العسكري فقط كاستجابة لتهديد إرهابي، بل كجزء من إعادة تموضع جيوسياسي أوسع في منطقة تشكّل اليوم أحد خطوط التماس الجديدة في الصراع على النفوذ العالمي.






