لا يمكن فصل قرار السويد تسريع دمج صاروخ «تاوروس» بعيد المدى ضمن قدرات سلاحها الجوي عن التحولات الجيوسياسية العميقة التي تشهدها أوروبا منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، وتزايد القلق الأمني في منطقة شمال القارة. فهذه الخطوة لا تمثل مجرد تحديث تقني، بل تعكس إعادة تعريف لدور السويد العسكري وموقعها داخل منظومة الردع الأوروبية الناشئة.
وكشف اللواء جوناس ويكمان، قائد القوات الجوية السويدية، عن تقليص ملحوظ للجدول الزمني للمشروع، مرجعاً ذلك إلى التنسيق الوثيق بين إدارة المواد الدفاعية السويدية (FMV)، وشركة «ساب»، والقوات الجوية نفسها، في مؤشر على أولوية المشروع داخل التخطيط الدفاعي الوطني.
من الحياد إلى الردع المتقدم
تاريخياً، تبنّت السويد سياسة عسكرية تقوم على الردع الدفاعي والحياد المسلح، مع تركيز على حماية المجال الجوي والأراضي الوطنية. غير أن إدماج صاروخ بمدى يتجاوز 500 كيلومتر، وقادر على حمل رأس حربي ثقيل، يشير إلى انتقال واضح من منطق الدفاع الإقليمي إلى امتلاك قدرة هجومية بعيدة المدى، ما يعزز مفهوم «الردع بالقدرة» بدل الاكتفاء بـ«الردع بالموقع».
ويؤكد ويكمان أن هذه الخطوة تمثل تحولاً في العقيدة الجوية السويدية، حيث لم يعد الهدف محصوراً في صدّ التهديدات، بل في امتلاك القدرة على توجيه ضربات دقيقة لأهداف استراتيجية، في حال تطور النزاعات إلى مستويات أعلى.
رسالة ردع في شمال أوروبا
يرى محللون أن تسريع دمج «تاوروس» يوجّه رسالة واضحة إلى روسيا، مفادها أن دول شمال أوروبا باتت قادرة على المشاركة الفاعلة في منظومة الردع بعيدة المدى، وليس فقط الاعتماد على الحلفاء. ويكتسب ذلك أهمية إضافية في ظل الموقع الجغرافي للسويد، الذي يمنحها تأثيراً مباشراً على منطقة بحر البلطيق ومسارات الإمداد العسكرية في شمال القارة.
كما أن امتلاك هذه القدرة يعزز تكامل السويد مع العقيدة الدفاعية لحلف شمال الأطلسي، خاصة في مجال الضربات الدقيقة بعيدة المدى، ما يسهّل دمجها في أي عمليات مشتركة مستقبلية.
تعاون أوروبي يتجاوز الصناعة
ويبرز في هذا السياق الدور الألماني في دعم المشروع، ليس فقط على المستوى الصناعي، بل كجزء من رؤية أوسع لتعزيز الاستقلالية العسكرية الأوروبية. فصاروخ «تاوروس»، المطوّر عبر شراكة ألمانية–سويدية، يجسد توجهاً أوروبياً لبناء قدرات استراتيجية مشتركة، بعيداً عن الاعتماد الكامل على المنظومات الأمريكية.
ويرى مراقبون أن هذا التعاون يعكس إدراكاً أوروبياً متزايداً بأن التهديدات الأمنية الحالية تتطلب أدوات ردع أوروبية الصنع، قادرة على العمل ضمن أطر سيادية أو متعددة الجنسيات.
نموذج سويدي للتحديث العسكري
على المستوى الداخلي، يعكس النهج السويدي في تحديث طائرات «غريبن» نموذجاً مختلفاً عن البرامج التقليدية في دول أخرى، حيث تعتمد ستوكهولم على التكامل المستمر للقدرات، بدلاً من تحديثات متقطعة في منتصف العمر التشغيلي للطائرة. وتُنفّذ تحديثات رئيسية كل ثلاث سنوات تقريباً، ما يمنح القوات الجوية مرونة عالية في التكيف مع تطورات ساحة المعركة.
كما أن الفصل بين برمجيات السلامة الجوية وبرمجيات المهام القتالية في طائرة «غريبن إي» يتيح إدخال تحسينات قتالية بسرعة، دون تعقيدات تنظيمية أو مخاطر تقنية، وهو عامل يُنظر إليه على أنه ميزة تنافسية في بيئة صراع سريعة التغير.
أبعد من السويد
في المحصلة، لا يُعد تسريع دمج صاروخ «تاوروس» قراراً تقنياً معزولاً، بل جزءاً من إعادة رسم خريطة القوة الجوية في أوروبا الشمالية. فبين تصاعد التوتر مع روسيا، وتنامي الدعوات لتعزيز الاستقلالية الدفاعية الأوروبية، تسعى السويد إلى تثبيت موقعها كلاعب عسكري فاعل، قادر على الإسهام في الردع الجماعي، وليس مجرد طرف يعتمد على مظلة أمنية خارجية.
وبينما تؤكد ستوكهولم الطابع الدفاعي لسياساتها، فإن امتلاك قدرات هجومية بعيدة المدى يشير بوضوح إلى انتقال استراتيجي يعكس واقعاً أوروبياً جديداً، حيث بات الردع يعتمد على المبادرة والقدرة، بقدر ما يعتمد على الدفاع والتمركز.






