«مبغيناش كأس العالم.. الصحة أولاً». في غضون أيام قليلة، تحوّل هذا الشعار إلى أيقونة موجة احتجاج شبابية هي الأوسع منذ 2011. خرجت تجمعات في الرباط والدار البيضاء وفاس وأكادير، تتقدّمها فئة عمريّة تربّت في حضن الإنترنت، تنظيماً وتواصلاً ووجداناً. ومع أنّ الاشتباكات في محيط أكادير انتهت بسقوط ثلاثة قتلى ومئات المصابين وفق البيانات الرسمية، ظلّ خطّ الرسالة العامة واضحاً: الأولوية للصحة والتعليم وكبح الفساد، لا لشقِّ «سقف النظام».
ما الذي حدث فعلاً؟
انطلقت الدعوة الأولى على خادمٍ في «ديسكورد» تحت اسم GenZ 212 قبل أيام من 27–28 سبتمبر/أيلول، ثم تمدّدت الاحتجاجات يومياً حتى مطلع أكتوبر/تشرين الأول. يَعرض خطاب الحركة سردية اجتماعية صِرف: تحسين المستشفيات والمدارس، محاسبة الفاسدين، والاعتراض على أسبقية الإنفاق الرياضي استعداداً لـ«كان 2025» و«مونديال 2030» على حساب الخدمات الأساسية. وإذ أعلن رئيس الحكومة عزيز أخنوش الاستعداد للحوار، وجّه المحتجّون رسالةً مفتوحة إلى الملك محمد السادس يطلبون فيها إقالة الحكومة وفق الفصل 47، وإطلاق مسار قضائي نزيه لمحاسبة المتورّطين في الفساد. اللافت أنّ هذا المسار الاحتجاجي—برغم حدّته—آثر مخاطبة رأس الدولة لا منازعته.
ChatGPT said:
لماذا لا تصل موجة الغضب إلى «سقف النظام»؟
ثمّة ثلاث طبقات تفسير متداخلة:
أولاً، شرعية مركّبة: الملك في المغرب ليس رأس الدولة فحسب؛ إنّه أيضاً «أمير المؤمنين» بموجب الدستور (الفصل 41)، ضامن الحرية الدينية، ويمارس صلاحيات سيادية واسعة في التعيين والإقالة وقيادة السياسات العليا (الفصول 41 و42 و47 وغيرها). هذه الشرعية «المزدوجة»—الدينية/الرمزية والسياسية/الدستورية—ترسّخ في الوعي العام فكرة أنّ الملكية إطار فوق تنازع القوى. لذلك، حين تتعاظم الأزمات الاجتماعية، يتوجّه المحتجّون إلى القمّة طلباً للتدخّل بدل المطالبة بإسقاطها.
ثانياً، ذاكرة الإصلاح 2011 وما بعدها: مراجعة دستور 2011 واتّساع دور رئيس الحكومة والبرلمان على الورق لم تُلغِ مركزية القرار الملكي، لكنها وفّرت قنوات امتصاصٍ مؤسسية تُخفّف الاندفاعة نحو «كسر النظام» وتعيد تدوير الغضب في مطالب قطاعية أو حكومية. بهذا المعنى، تلعب الملكية دور «صمّام الأمان» الذي يمكن مساءلته أخلاقيًا دون استهداف وجوده السياسي.
ثالثاً، هشاشة البدائل: لا تتوفّر اليوم معارضةٌ منظمة في الخارج قادرة على التأثير داخل البلاد أو قيادة الشارع—على الأقلّ في هذه الموجة—كما أنّ الحركة نفسها تؤكّد استقلالها عن الأحزاب. من دون بديلٍ منظّم وقيادة موحّدة ورؤية حكمٍ اقتصادية واجتماعية قابلة للتطبيق، يبقى احتمال رفع السقف إلى «سقوط الملكية» افتراضياً أكثر منه مساراً سياسياً. هذا ما يفسّر لماذا ظلّت الشعارات اجتماعية الطابع، من «مبغيناش كأس العالم.. الصحة أولاً» إلى «مستشفيات بدل ملاعب».
ماذا تخبرنا بنية الشرعية عن «استعصاء التنبؤ»؟
في العلوم السياسية، التنبؤ بسقوط أنظمة ملكية ذات شرعية دينية/تاريخية مركّبة يكاد يكون مستحيلاً لأن نقطة الانكسار فيها غالباً ما تكون سياسية–اجتماعية–أمنية في آن، وليست معادلة احتجاج/قمع فحسب. في الحالة المغربية، تتعزّز الاستدامة بعناصر إضافية: احتكار «الرأسمال الرمزي» الديني، ومرونة دستورية تسمح بإقالة حكومات وإعادة تشكيل نخب عبر الفصل 47، وسرديةٍ ملكيةٍ تُظهر تدخّلات فوق–حكومية عند الأزمات. لذا تميل موجات الغضب إلى تغيير الحكومات أو السياسات القطاعية أكثر من تغيير شكل النظام.
الشباب: كتلة اجتماعية حرجة بلا حاملٍ سياسي
تمثّل الفئة العمرية الشابّة نحو ربع السكان وفق تقديرات صحافية مرجعية ودراسات رأي حديثة، مع بطالةٍ شبابية مُرتفعة خصوصاً في الحواضر. لكن تحويل هذه الكتلة الديموغرافية إلى قوةٍ سياسية منسجمة يتطلّب وقتاً وتنظيماً ومشروعاً جامعاً. ما جرى حتى الآن يثبت قدرة التعبئة الرقمية السريعة (خادم «GenZ 212» قفز إلى مئات الآلاف بحسب بعض المنصّات) لكنه لا يقدّم بديلاً تنظيمياً مستداماً. هذا الفارق بين «قدرة النداء» و«قدرة الحكم» يفسّر لماذا تصعد وتيرة الاحتجاج سريعاً ثم تتطلّب تسوياتٍ مرحلية: حوار، مراجعات إنفاق عام، أو تغيير حكومي.
أين تقف الدولة اليوم؟
تقف الدولة أمام مفترقٍ يتطلّب إدارة مزدوجة للأمن والسياسة في آن واحد. فمن جهةٍ أولى، يبعث رئيس الحكومة ووزراءٌ معنيّون برسائل انفتاح على الحوار والتلقّي، ويقرّون بوجاهة المطالب الاجتماعية المتعلّقة بالصحة والتعليم ومحاربة الفساد، مع التعهّد بالاستعداد لصياغة تصوّرٍ مشترك مع ممثّلي الشباب. ومن جهةٍ ثانية، تُشدّد السلطات حضورها الأمني حيث اندلعت مواجهات أو سُجّلت محاولات اقتحام لمرافق حسّاسة، وتفعّل مسارًا قضائيًا بحقّ الموقوفين على قاعدة التمييز بين من مارس العنف ومن شارك سلميًّا. بين هذين المسارين تعمل آلة الدولة تحت رقابةٍ كثيفة من الإعلام المحلي والدولي، وبتوثيق حقوقيّ لحالات إصابة وسقوط ضحايا، ما يجعل هامش الخطأ ضيّقًا ويُلزم السلطات بقدرٍ أعلى من الشفافية الإجرائية والتواصل العمومي المنتظم.
الاختبار الحقيقي لا يكمُن في البلاغات بقدر ما يتمثّل في «أفعالٍ قابلة للقياس» تُخفّض حرارة الشارع دون المساس بالسردية المؤسسية للملكية. هنا يصبح إعلانُ جداول زمنية مفصّلة لتوسيع الطاقة الاستيعابية للمستشفيات، ورفع أعداد الأطر الصحية والتربوية عبر توظيفٍ مرحليّ مدروس، وتوزيعٍ مجاليّ منصف، وميزانيات تشغيل وصيانة مضمونة، بمثابة رسائل طمأنة ملموسة تتجاوز العموميات. وعلى المستوى المالي، يكتسب «إعادة ترتيب الأولويات» صدقيةً حين تُنشر أرقام التحويلات بين البنود المرتبطة بتحضيرات «كان 2025» و«مونديال 2030» وبين قطاعات الصحة والتعليم، مع إتاحة تفاصيل الصفقات العمومية ولوائح التجهيزات وخريطة الاستثمارات وفق معايير الكلفة–المنفعة. وعلى المستوى الحقوقي، يمكن لتدابير موازية—مثل مراجعة ملفات الموقوفين غير المتورّطين بأعمال العنف، وإطلاق تحقيقاتٍ سريعة وشفافة في الحوادث التي ترتّبت عنها وفيات وإصابات، وتمكين عائلات الضحايا من المعلومة والمواكبة القانونية—أن تؤسّس لبيئة تفاوضية أكثر هدوءًا من دون منح «شيكٍ على بياض» للفوضى.
لماذا تبدو الملكية «أكثر ثباتاً» من الحكومة؟
يستند ثبات الملكية في المغرب إلى شرعية مركّبة دينية–دستورية تضعها فوق تنازع القوى اليومية. فالملك، بصفته «أمير المؤمنين» ورأس الدولة، يجمع بين رأسمال رمزي ديني عميق ورأسمال دستوري يمنحه وظيفة التحكيم وحماية اختيارات الدولة العليا. بهذا المعنى، تُدرِك فئات واسعة أن الملكية ليست طرفًا حزبيًا ينافس على السلطة، بل إطارٌ حاكم يضبط إيقاعها ويمنحها الاستمرارية، وهو ما يُبقي صورتها أقلّ احتكاكًا بـ«كلفة» الأداء الحكومي المباشر.
وظيفيًا، يحتفظ القصر بأدواتٍ سيادية تسمح بإعادة تشكيل المشهد عند اللزوم: تعييناتٌ وإقالات، ترميم للأغلبيات، تدوير للحقائب، وإدخال كفاءات تقنية في مواقع حسّاسة. كما يملك قدرة إطلاق مبادرات «فوق–حكومية» ذات أثر اجتماعي سريع—برامج وتمويلات وصناديق خاصة ومسارات تنفيذ بإشراف مركزي—فتنتقل بؤرة المساءلة اليومية إلى الحكومة بينما تُسجَّل للمؤسسة الملكية نقاطٌ في خانة «الاستجابة» و«الحماية». هذه المفاضلة العملية تُفسّر لماذا يظل الشارع، حين يشتد الضغط، يطلب من القمّة التدخّل بدل استهدافها.
سياسيًا–مؤسسيًا، تتعرّض الحكومات لدينامية تآكل أسرع: تحالفات حزبية قابلة للاهتزاز، وعود انتخابية تُقاس كل شهر في فاتورة المعيشة والخدمات، وبيروقراطية تنفيذ تُبطئ الأثر المباشر للقرارات. في المقابل، تُنتج الملكية سردية استمرارية عبر المجالس العليا والآليات الاستشارية والخطب المرجعية؛ فتُحافِظ على المسافة الفاصلة بين «الاتجاه العام للدولة» و«تفاصيل التنفيذ الحكومي». كلما تعثّر التنفيذ، يصبح تعديل المسار ممكنًا من أعلى من دون المساس بالإطار ذاته.
اجتماعيًا ورمزيًا، تُعزّز الملكية مكانتها كـ«مركز ثِقل» يُعاد إليه ضبط الإيقاع عند المنعطفات: تعيين حكومة جديدة، تكليف مراجعات قطاعية، أو توجيه رسائل تطمين في أوقات التوتّر. لذلك حين خاطبت رسالة «GenZ 212» رأس الدولة وطالبت بإقالة الحكومة، لم تكن تسعى إلى كسر السقف بقدر ما كانت تستدعي وظيفة التحكيم التي تُسندها الثقافة السياسية المغربية للملكية: الحكم بين الشارع والسلطة التنفيذية، وإعادة ترتيب الأولويات من أعلى من دون الانزلاق إلى سؤال إسقاط النظام.
بهذا التكوين، تبدو الملكية أكثر ثباتًا لأن «كلفة الفشل» تُحتسب يوميًا على الحكومة، بينما «قيمة الاستمرارية» تُنسب إلى الإطار الذي يسمح باستبدال الحكومات وتعديل السياسات من داخله. وحين يقود الشارع مطالب اجتماعية واضحة—كما في موجة «الصحة أولًا»—يتعزّز هذا المنطق: الضغط من أسفل لتصحيح المسار، واستجابة من أعلى لتعديل ترتيب الأولويات، مع بقاء الإطار الملكي مرجعًا لا موضوعًا للنزاع.
استحالة التنبؤ بسقوط الملكية
الخلاصة التي تؤكّدها هذه الموجة هي نفسها التي عرفها المغرب في 2011: التنبؤ بسقوط الملكية غير ممكن عملياً لأن بنية الشرعية وأدوات الضبط المؤسسي تميل إلى امتصاص الصدمات عبر إصلاحاتٍ وانتقالات حكومية من داخل النظام. وعلى الرغم من سوءاتٍ حقيقية في الخدمات العامة وتوتّراتٍ اجتماعية صاعدة، ما يزال القبول الشعبي بالملكية راسخاً في الوعي الجمعي، بدليل أنّ الاحتجاجات الأخيرة—برغم اتّساعها وخطورتها—رفعت مطالب اجتماعية–اقتصادية ولم تذهب إلى شعار إسقاط النظام. كما أنّ غياب معارضة خارجية منظّمة قادرة على التأثير في الداخل، واعتماد الحركة على تعبئة رقمية لا تنظيم حزبي، يُرجّحان مساراً إصلاحيًّا تدريجيًا: ضغطٌ اجتماعي من أسفل، وتدبيرٌ سياسي من أعلى. وفي الوسط، تُحسَب السياسة بالأرقام: كم سريرَ مستشفى جديدًا؟ كم طبيبًا ومعلّمًا؟ وكم درهماً يُحوَّل من الملاعب إلى الأقسام؟ هذا تحديدًا ما سيحكم حرارة الشارع في الأسابيع المقبلة.






