أثارت تحذيرات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من احتمال اللجوء إلى الخيار العسكري ضد إيران ردود فعل لافتة في الإقليم، لم تأتِ هذه المرة من خصوم واشنطن، بل من أقرب حلفائها. فقد سارعت السعودية وتركيا وقطر إلى التعبير، بشكل مباشر أو غير مباشر، عن رفضها لأي تدخل عسكري، في موقف يعكس حسابات أعمق من مجرد الخلاف حول الوسائل.
ورغم أن هذه الدول الثلاث لا تُخفي خصومتها التاريخية مع طهران، ولا تنسى سنوات التوتر والصراع غير المباشر، إلا أن قادتها يدركون أن سقوط النظام الإيراني قد يكون أسوأ من بقائه. فهاجسهم المشترك لا يتمثل في الدفاع عن الجمهورية الإسلامية، بل في الخوف من الفراغ الذي قد يخلّفه انهيارها، وما يحمله من فوضى عابرة للحدود.
تركيا: كابوس الفوضى والملف الكردي
بالنسبة لتركيا، يُعد انهيار الدولة الإيرانية سيناريو بالغ الخطورة. فالفوضى الممتدة والعنف السياسي قد يفتحان الباب أمام موجة لجوء جديدة، من المرجح أن تتجه بأعداد كبيرة نحو الأراضي التركية، في وقت لا تزال فيه أنقرة تتحمل أعباء أزمات سابقة.
لكن القلق الأكبر يتمحور حول البعد الكردي. فانتفاضة محتملة في شمال غرب إيران قد تشعل طموحات انفصالية كردية، لا سيما إذا تورطت فيها جماعات ذات صلات تاريخية بحزب العمال الكردستاني. ومن شأن ذلك أن يعيد إحياء مخاوف أنقرة من تشكّل شريط كردي متصل عبر حدودها، بعد التجربتين القائمتين في شمال العراق وشمال شرق سوريا. آخر ما تريده تركيا هو إضافة حلقة ثالثة إلى هذا المشهد المعقد.
ولا يقل حضور العامل الإسرائيلي إثارةً للقلق في الحسابات التركية. فإيران ما بعد النظام الحالي قد تتحول إلى ساحة نفوذ إسرائيلي، ما سيحدّ من هامش الحركة الاستراتيجية لأنقرة في الشرق الأوسط، ويعزز شعورها المزمن بأنها محاطة بتحديات أمنية متزايدة. كما أن انهيار الدولة الإيرانية قد يعرقل مشاريع الربط البري بين تركيا وكل من باكستان والصين، وهي مشاريع تعوّل عليها أنقرة في طموحاتها الاقتصادية والجيوسياسية.
الخليج: الطاقة والتوازنات الهشة
أما السعودية وقطر، فتتشاركان مخاوف مختلفة، لكن لا تقل خطورة. فاندلاع أزمة إيرانية كبرى قد يضرب استقرار أسواق الطاقة العالمية، ويُدخل المنطقة في مرحلة من التقلبات الحادة. كما تخشى العاصمتان من انتقال عدوى الاضطراب إلى الداخل، في بيئة إقليمية شديدة الحساسية.
وتنظر الدولتان بعين القلق أيضًا إلى احتمال ترسخ وجود إسرائيلي طويل الأمد في الخليج في حال تفكك الدولة الإيرانية، وهو تطور من شأنه إعادة خلط الأوراق الأمنية في منطقة تعاني أصلًا من اختلالات عميقة في موازين الردع.
للسعودية، على وجه الخصوص، هواجس إضافية. فغياب السيطرة الإيرانية على وكلائها قد يمنح جماعة أنصار الله في اليمن هامش استقلال أكبر، يعيدها إلى نهج التصعيد المباشر ضد المملكة. وتجربة الهجمات على المدن والمنشآت النفطية السعودية قبل التقارب مع طهران لا تزال ماثلة في الذاكرة.
قطر وعُمان: حسابات مختلفة… والنتيجة واحدة
تتخذ مخاوف قطر طابعًا أكثر براغماتية. فالعلاقة الخاصة التي تربطها بإيران تتيح لها تحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة من حقل الغاز المشترك، الذي يمثل أحد أعمدة قوتها الاقتصادية. وفي غياب “دولة إشكالية” في محيطها المباشر، قد تخسر الدوحة جزءًا من وزنها الاستراتيجي لدى واشنطن، سواء كحليف أمني يستضيف قوات أمريكية، أو كوسيط لا غنى عنه في أزمات المنطقة.
وتنضم عُمان بدورها إلى هذا المعسكر الحذر. فقد حافظت مسقط تاريخيًا على قنوات مفتوحة مع طهران، وأدت دور الوسيط الهادئ بين إيران والغرب في محطات مفصلية. ومن منظورها، فإن سقوط النظام الإيراني سيغلق باب الوساطة، ويفتح أبوابًا غير محسوبة للفوضى.
شبح العدوى الإقليمية
يتجاوز القلق الإقليمي حدود إيران نفسها. فامتداد عدم الاستقرار إلى دول مجاورة مثل العراق وأفغانستان وباكستان، وصولًا إلى جنوب القوقاز، قد يطلق سلسلة من الصراعات الانفصالية ويُفاقم هشاشة دول تعاني أصلًا من أزمات بنيوية. هذا السيناريو، بتداعياته الأمنية والإنسانية، هو ما تسعى تركيا ودول الخليج إلى تفاديه بأي ثمن.
بين الشرّ المعروف والمجهول
في المحصلة، تدرك تركيا والدول العربية طبيعة النظام الإيراني، وقد طورت، عبر سنوات من الاحتكاك، آليات للتعايش معه واحتوائه. أما البديل، فهو مستقبل ضبابي لا يمكن التنبؤ بمآلاته.
ولهذا، فإن تفضيل بقاء نظام ضعيف ومستقر نسبيًا في طهران لا يعني دعمه أو تبرير سياساته، بل يعكس قناعة راسخة بأن الفوضى أخطر من الخصومة. وبين إيران معروفة ومُرهِقة، وإيران منهارة ومجهولة، يختار جيرانها الخيار الأقل كلفة، ولو على مضض.







