تشهد المرحلة الراهنة، تغيرات سياسية واقتصادية متسارعة، إذ تدرك مصر والسعودية خطورة المرحلة الراهنة، والتداعيات التي تحدث في منطقة الشرق الأوسط، إذ يعكس التحرك المصري – السعودي نحو تفعيل مجلس التنسيق الأعلى بين البلدين، إدراكًا مشتركًا لمرحلة إقليمية دقيقة، تتطلب أطرًا مؤسسية أكثر فاعلية في إدارة الشراكات الاستراتيجية.
المجلس لا يمثل مجرد آلية تنسيقية جديدة، بل يؤسس لانتقال نوعي في طبيعة العلاقات الثنائية من التعاون التقليدي إلى الشراكة الممنهجة طويلة الأمد، القادرة على مواءمة الأولويات الاقتصادية والسياسية والأمنية بين القاهرة والرياض.
تطوير العلاقات المشتركة
واتفقت السعودية ومصر على تطوير العلاقات المشتركة بإنشاء «مجلس التنسيق الأعلى المشترك»، ووقّع ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، على محضر تشكيل المجلس بين البلدين، في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، برئاستهما. حسب الشرق الأوسط.
وبحث وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان مع نظيره المصري بدر عبد العاطي، في اتصال هاتفي أعلنت عنه وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، الترتيبات الجارية لعقد الاجتماع الأول لمجلس التنسيق الأعلى المصري – السعودي، بما «يعكس الإرادة السياسية المشتركة للارتقاء بالشراكة الاستراتيجية بين البلدين، ويعزز المصالح العربية والاستقرار الإقليمي»، بحسب «الخارجية المصرية».
وشهدت العاصمة السعودية الرياض في أكتوبر الماضي اجتماعاً لأمانتَي مجلس التنسيق الأعلى السعودي – المصري من الجانبين، برئاسة المستشار بالديوان الملكي محمد بن مزيد التويجري، أمين عام مجلس التنسيق الأعلى السعودي – المصري من الجانب السعودي، ونائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية الصناعية ووزير الصناعة والنقل في مصر الفريق كامل الوزير، وهو أمين عام المجلس من الجانب المصري.
تعزيز وتوثيق العلاقات الثنائية
وأكد أمينا مجلس التنسيق الأعلى السعودي – المصري في ذلك الحين، حرصهما على وضع خطة مشتركة لمجلس التنسيق الأعلى تهدف إلى تعزيز وتوثيق العلاقات الثنائية، ونقلها إلى آفاق أوسع، بما يحقق تَطلُّعات قيادتَي وشعبَي البلدين الشقيقين، ويدفع بالعلاقات الثنائية إلى ما يحقق المصالح المشتركة.
وبحسب بيان سابق لمجلس الوزراء المصري، فإن المجلس يهدف إلى زيادة حجم الاستثمارات المشتركة، خاصة في قطاعات الطاقة، والنقل، والصناعة، والتكنولوجيا، والعمران، إلى جانب توطين الصناعات ونقل الخبرات الحديثة، فضلاً عن متابعة الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة بين الجانبين. كما يشمل عمله لجاناً قطاعية متخصصة تجتمع بشكل دوري لمراجعة التقدم في تنفيذ المشروعات المتفق عليها وإزالة أي معوق.
وأكد عبد العاطي خلال المحادثات الهاتفية مع نظيره السعودي «اعتزاز مصر بعمق العلاقات الأخوية والتاريخية التي تجمع البلدين، وما تشهده من زخم متنامٍ على مختلف المستويات».
وتطرق الاتصال أيضاً إلى تطورات الأوضاع في غزة والتطورات في السودان، في إطار التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين، بحسب بيان لوزارة الخارجية المصرية. وأضاف البيان أن الوزيرين تبادلا الرؤى إزاء تطورات الأوضاع في قطاع غزة، حيث شدد عبد العاطي على أهمية ضمان «استدامة وقف إطلاق النار، وتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب»، وضرورة تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم «2803».
وقف شامل لإطلاق النار
كما نوّه وزير الخارجية المصري بـ«أهمية نشر قوة الاستقرار الدولية المؤقتة لمراقبة وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وتمكين القوات الفلسطينية من تولي مهام إنفاذ القانون في قطاع غزة، وضمان دخول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وتهيئة الظروف لبدء التعافي المبكر وإعادة الإعمار».
كما تناول الوزيران تطورات الأوضاع في السودان، وأكدا أهمية مواصلة التنسيق في إطار «الآلية الرباعية»، بهدف التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار. وشدد وزير الخارجية المصري على «أهمية توفير ملاذات آمنة وممرات إنسانية آمنة لضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق»، وجدد التأكيد على موقف مصر «الثابت والداعم لوحدة السودان وسيادته واستقراره، والحفاظ على مؤسساته الوطنية»، بحسب البيان.
أهمية التنسيق الاستيراتيجي من منظور اقتصادي
وتعقيبا على الحدث، أكد الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد، أن إنشاء مجلس التنسيق الأعلى بين مصر والسعودية يحمل دلالات بالغة الأهمية في هذا التوقيت، نظرًا لما تشهده المنطقة من تحولات اقتصادية، وللحاجة إلى تطوير آليات التعاون الثنائي بما يتماشى مع رؤيتي البلدين (مصر 2030 والسعودية 2030).
وأضاف في تصريحات لقناة «القاهرة الإخبارية»،أن للمجلس مهمتين رئيسيتين التنسيق الاستراتيجي: مشيرًا أن كلا البلدين يمتلك رؤى تنموية طموحة، ويجري تنفيذ مشروعات كبرى في مجالات متعددة، من البنية التحتية إلى القطاعات الإنتاجية، موضحًا أن التنسيق الاستراتيجي بين الرؤيتين والمشروعات الجارية سيسهم في تحقيق تكامل اقتصادي بدلاً من التنافس، ما يضاعف من القيمة المضافة للمشروعات المشتركة ويزيد من مردودها على الشعبين.
واستشهد بمجالات مثل اللوجستيات البحرية عبر البحر الأحمر، والطاقة المتجددة التي تمتلك فيها مصر ميزة تنافسية كبيرة في مجالي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، مؤكدًا أن هناك فرصًا للاستثمار المشترك في هذه القطاعات أو حتى تصديرها مباشرة إلى الخارج.
إنشاء اللجنة العليا المصرية – السعودية
ولفت إلى أن المهمة الثانية هي تسهيل التنفيذ وإزالة العقبات: حيث أن أن المشروعات المشتركة بين البلدين قائمة منذ سنوات، لكن الحاجة لإنشاء مجلس تنسيقي جاءت نتيجة تراكم بعض التحديات العملية على مدار العامين أو الثلاثة أعوام الماضية، موضحًا أن المجلس سيسهم في إزالة العوائق البيروقراطية التي تعرقل تنفيذ الاستثمارات، تسهيل التمويل اللازم للمشروعات، توفير العمالة الفنية المدربة ومدخلات الإنتاج، ضمان التزام المشروعات بالجداول الزمنية المحددة.
وأتم عضو الجمعية المصرية للاقتصاد: «الممارسة العملية أثبتت أن هناك حاجة لتطوير أدوات التنسيق والتنفيذ، ولهذا جاء المجلس مع توقيع اتفاقية حماية الاستثمارات التي استهدفت إزالة العقبات أمام أكثر من 100 مشروع استثماري».
وكان مجلس الوزراء المصري، قد وافق على قرار تشكيل مجلس التنسيق الأعلى المصري – السعودي، وأوضحت الحكومة المصرية في إفادة لها، أن «المجلس يهدف إلى تكثيف التواصل وتعزيز التعاون بين مصر والمملكة العربية السعودية في مختلف المجالات التي تهم الجانبين».
ووفق بيان الحكومة المصرية، «يتألف المجلس من عدد من الوزراء والمسؤولين من البلدين في المجالات ذات الصلة»، كما «يعقد اجتماعات دورية بالتناوب في البلدين، وله عقد اجتماعات استثنائية كلما دعت الحاجة إلى ذلك».
وقالت الحكومة المصرية، إن المجلس «سيحل محل الاتفاق الخاص بإنشاء اللجنة العليا المصرية – السعودية المشتركة».
تنسيق الآراء بين القاهرة والرياض
ويعكس تشكيل مجلس التنسيق الأعلى السعودي – المصري، مستوى الشراكة العالي بين البلدين حالياً، وفق تقدير وكيل لجنة الشؤون العربية بمجلس النواب المصري (البرلمان)، أيمن محسب، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «المجلس يشكل نواة لتفعيل العلاقات ويعكس إرادة لتوسيع التعاون بمختلف المجالات».
وتوقف محسب، مع التمثيل الرفيع لرئاسة المجلس، بقيادة الرئيس المصري وولي العهد السعودي، مشيراً إلى أن «هذه الخطوة ستدفع تقدم التعاون في مختلف المجالات، بإرادة من القيادة السياسية في البلدين»، وأوضح أن «تشكيل المجلس، سيساعد على تنسيق الآراء بين القاهرة والرياض في مختلف المجالات والقضايا الإقليمية».






