في تصريحات نادرة تعكس جانباً من الحسابات الدقيقة التي تحكم قرارات «حزب الله» في لبنان، أعلن نعيم قاسم، الأمين العام للجماعة، أن التنظيم لم يكن مستعداً للدخول في حرب شاملة مع إسرائيل عقب اندلاع الحرب في غزة، مؤكداً أن غياب الاستعدادات والتنسيق مع حركة «حماس» حال دون اتخاذ هذه الخطوة في بدايتها.
«حرب غزة» فاجأت الجميع
وقال قاسم في مقابلة تلفزيونية محلية بُثّت مساء الثلاثاء، إن هجوم حركة «حماس» على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لم يكن منسقاً مع «حزب الله»، مضيفاً: «لم نكن نعلم مسبقاً بما سيحدث، وبالتالي لم نكن في موقع يسمح لنا بالدخول في معركة كبرى فور اندلاع الحرب».
شدد قاسم على أن الدخول في حرب شاملة مع إسرائيل كان يتطلب تحضيرات أكبر: «لو دخلنا في حرب شاملة، كنا سنواجه دماراً واسع النطاق وتدخلاً أميركياً مباشراً، وربما كانت الحرب ستتوسع إلى مدى أكبر دون تحقيق الأهداف التي نسعى إليها».
الدعم المحدود كان «كافياً» في البداية
وأوضح الأمين العام لـ«حزب الله» أنه بعد مرور شهرين على اندلاع الحرب، جرت اتصالات مع قيادة «حماس»، التي أبلغت «حزب الله» بأنها ترى أن الدعم المحدود كافٍ في تلك المرحلة لتحقيق أهداف المعركة.
لكن، مع تصاعد وتيرة العنف، قال قاسم إن الجماعة اللبنانية وجدت أن «إسرائيل متغولة جداً، والدعم الأميركي لها مفتوح بلا حدود، مما غيّر موازين التقدير لدى الجميع».
اغتيال نصر الله وقيادات الصف الأول
وكانت إسرائيل قد وسّعت نطاق عملياتها العسكرية في سبتمبر (أيلول) 2024 لتشمل الأراضي اللبنانية، بعد أشهر من تبادل القصف بين الطرفين، وهو ما أدّى إلى مقتل الأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله، وعدد من كبار قادة الصف الأول.
ورغم هذه الضربة المؤلمة للجماعة، حافظ «حزب الله» على تماسكه التنظيمي، في حين تولّى نعيم قاسم قيادة الجماعة وسط ظروف ميدانية وسياسية شديدة التعقيد.
ملامح المرحلة المقبلة
تعكس تصريحات قاسم حالة من إعادة التقييم داخل «حزب الله»، بين السعي لتجنب مواجهة شاملة قد تكون كارثية، وبين ضرورة الرد على التهديدات المتزايدة على الجبهة الشمالية للبنان.
وبرز في حديثه لهجة توازن بين التمسك بدور الجماعة في محور المقاومة، وبين إدراك مخاطر الانزلاق إلى حرب مفتوحة في ظل غياب الغطاء السياسي أو الإقليمي الكافي.
وفي ظل استمرار المواجهات المحدودة على الحدود الجنوبية، تبقى الأنظار متجهة إلى ما إذا كانت إسرائيل ستصعّد أكثر، أو أن الوسطاء الدوليين سيتمكنون من احتواء التصعيد ومنع الحرب من التوسع أكثر في المنطقة.
تكشف تصريحات قاسم عن تصدّع في سردية «الجاهزية الدائمة» التي اعتاد الحزب على الترويج لها، وهو ما يعكس واقعية سياسية قد تفرضها تعقيدات المرحلة، سواءً من حيث حجم الخسائر أو الحسابات الإقليمية والدولية.






