منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، لم تعرف ليبيا الاستقرار الذي حلم به الليبيون عقب ثورتهم، بل انزلقت إلى واحدة من أعقد الأزمات السياسية والأمنية في المنطقة. فقد تحولت البلاد إلى ساحة مفتوحة لصراعات النفوذ الإقليمي والدولي، وأصبحت الانقسامات الداخلية والاقتتال المستمر السمة الغالبة للمشهد الليبي. وبينما تزداد المخاطر المحدقة بالبلاد، يتساءل كثيرون: كيف كان الوضع في زمن القذافي، وكيف أصبح الآن؟ وما هو المستقبل المجهول الذي ينتظر ليبيا إذا استمر الانقسام الراهن؟
حكم القذافي ومرحلة ما بعد سقوط النظام
خلال حكم القذافي، الذي امتد أكثر من أربعة عقود، عاش الليبيون في ظل نظام مركزي صارم يتركز فيه القرار بيد شخص واحد. ورغم طبيعة الحكم الاستبدادية وغياب المؤسسات الديمقراطية، فإن الدولة الليبية كانت موحدة، وحدودها محمية، ومؤسساتها الأمنية والعسكرية قائمة بوصفها أدوات لضبط الداخل والسيطرة على مقدرات البلاد.
الاقتصاد الليبي في تلك المرحلة كان يعتمد بشكل شبه كلي على النفط، الذي وفر موارد مالية ضخمة، سمحت للنظام بتمويل مشاريع بنية تحتية، ودعم التعليم والصحة بدرجات متفاوتة، فضلاً عن تقديم إعانات اجتماعية. كان هذا الاستقرار السياسي المبني على قبضة أمنية صارمة هو الضمانة الوحيدة لعدم انفجار الداخل، رغم أنه كان يخفي تحت السطح تراكماً كبيراً من الغضب الشعبي والحرمان السياسي.
بعد سقوط النظام، انكشفت هشاشة الدولة الليبية التي لم تمتلك مؤسسات قوية قادرة على الاستمرار في غياب السلطة المركزية. دخلت البلاد في مرحلة صراع مفتوح بين قوى متنافسة، انقسمت بين شرق وغرب وجنوب، وتوزعت ولاءات الجيش والمؤسسات الأمنية، فانهارت المنظومة المركزية التي كانت تضبط التوازن. ومع غياب سلطة الدولة، برزت الميليشيات المسلحة بوصفها اللاعب الأساسي على الأرض، تتحكم في القرار الأمني والسياسي والاقتصادي، وتستنزف مقدرات البلد عبر تهريب النفط والسلاح والبشر.
سوء الأوضاع الاقتصادية ودور تركيا في تعميق الأزمة
الأوضاع الاقتصادية زادت سوءاً مع استمرار الفوضى والانقسام. رغم أن ليبيا تمتلك أكبر احتياطي نفطي في إفريقيا، فإن الاستفادة منه تراجعت بفعل الإغلاقات المتكررة لحقول النفط وصراعات السيطرة على الموانئ النفطية. تدهور الدينار الليبي، وتآكلت قيمة الرواتب، وارتفعت معدلات البطالة، فيما أصبح الاقتصاد رهينة للمحاصصة السياسية بين سلطات متنازعة في طرابلس وبنغازي، ولكل منها حلفاء خارجيين يفرضون أجنداتهم مقابل الدعم العسكري والسياسي.
الأطراف الخارجية لعبت دوراً أساسياً في تعميق الأزمة. تركيا على وجه الخصوص تدخلت عسكرياً لدعم حكومة غرب ليبيا، عبر إرسال مقاتلين وأسلحة وطائرات مسيرة، وهو ما أسهم في مفاقمة الصراع وتحويله إلى حرب بالوكالة بين قوى إقليمية. التدخل التركي، رغم أنه منح بعض الأطراف تفوقاً عسكرياً مرحلياً، إلا أنه أضعف فرص التسوية الوطنية، وأعطى انطباعاً بأن القرار الليبي مرتهن للخارج. في المقابل، لم تتوقف محاولات قوى أخرى مثل روسيا، مصر، والإمارات عن لعب أدوار موازية في الشرق، مما جعل ليبيا ساحة صراع دولي مفتوح تتجاذبها مشاريع متناقضة.
المقارنة بين زمن القذافي والوضع الحالي تكشف مفارقة مؤلمة: ففي زمن القذافي، كان المواطن الليبي يعيش تحت سلطة مركزية صارمة لكنها ضامنة لوحدة الدولة ومؤسساتها، بينما اليوم يجد نفسه في بلد منقسم، منهك اقتصادياً، فاقد للسيادة، تتحكم فيه ميليشيات وقوى أجنبية. وإذا كان القذافي قد حكم بقبضة أمنية منعت قيام مجتمع سياسي حر، فإن الوضع الراهن أفرز حرية مشوهة بلا دولة ولا مؤسسات، جعلت المواطن أكثر هشاشة وضعفاً من أي وقت مضى.
هل ليبيا على خُطى السودان؟
المخاطر التي تتهدد ليبيا اليوم لا تقف عند حدود الفوضى الداخلية فقط، بل تمتد إلى مستقبل الدولة الليبية برمتها. فاستمرار الانقسام بين الشرق والغرب، وعدم التوصل إلى صيغة جامعة لتوحيد المؤسسات، يعني أن ليبيا مرشحة لتكرار سيناريوهات مأساوية شبيهة بما يجري في السودان حالياً، حيث أدى الصراع بين قوتين عسكريتين إلى انهيار شبه كامل للدولة. وإذا لم تتحرك النخب الليبية، ومعها القوى الإقليمية والدولية، لفرض حل سياسي شامل، فإن البلاد ستنزلق أكثر نحو التفكك، وربما إلى حرب أهلية طويلة الأمد ستقضي على ما تبقى من مقدراتها.
الرسالة الأقوى التي تفرض نفسها اليوم هي أن استمرار الانقسام الليبي يعني الانتحار البطيء للدولة. فإذا لم تُوحّد المؤسسات العسكرية والسياسية، ولم تُقطع أذرع التدخل الخارجي، فإن ليبيا ستجد نفسها في الطريق ذاته الذي سلكه السودان، حيث تحولت أحلام الثورة إلى كابوس من الدم والدمار. ليبيا أمام مفترق طرق مصيري: إما أن تتحول إلى دولة موحدة مستقرة قادرة على استغلال ثرواتها، أو أن تضيع بين صراعات الداخل وتدخلات الخارج، وتصبح درساً جديداً على خريطة الفشل العربي.






