تتصاعد حدة الخلاف في المشهد السياسي الليبي، بين مؤسسات الدولة السيادية، بعد أن أعاد ملف «المناصب السيادية» إلى الواجهة الجدل الدستوري والقانوني حول صلاحيات كل من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية والدولية لدفع العملية السياسية نحو انتخابات طال انتظارها.
هذا التصعيد، الذي تزامن مع صدور حكم عن المحكمة الدستورية العليا في بنغازي بتحصين قرارات مجلس النواب بشأن تعيينات المشير خليفة حفتر وترقيات الضباط، أعاد إلى الواجهة سؤال الشرعية الدستورية والجهة المخوّلة قانونياً بممارسة الرقابة القضائية، في ظل وجود محكمة دستورية مستحدثة مثيرة للجدل.
ازدواجية القضاء.. وتعمّق الانقسام المؤسسي
المجلس الأعلى للدولة، برئاسة محمد تكالة، اعتبر أن الحكم الأخير يمثل «خطرًا مباشرًا على وحدة السلطة القضائية» ويؤسس لازدواجية خطيرة بين المحكمة العليا والمحكمة المستحدثة في بنغازي، بما يكرّس تسييس القضاء ويعمّق الانقسام القائم بين الشرق والغرب.
من وجهة نظر المجلس، فإن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس تبقى المرجعية الوحيدة المختصة بالرقابة على دستورية القوانين، استنادًا إلى قانون تنظيم المحكمة لعام 1982. وفي المقابل، يرى مجلس النواب أن المحكمة الدستورية العليا التي أُنشئت بقانون جديد هي خطوة لتصحيح الأوضاع القضائية وضمان استقلال القضاء عن التجاذبات السياسية في طرابلس.
مصباح دومة.. ورفض “تجزئة” المناصب السيادية
من جانب آخر، أصدر مصباح دومة، النائب الثاني لرئيس مجلس النواب، بياناً شديد اللهجة من بنغازي أكد فيه رفضه تجزئة ملف المناصب السيادية، مشدداً على أن أي تعديل أو تغيير في مؤسسات الدولة العليا يجب أن يتم ضمن حزمة واحدة متكاملة تشمل السلطة التنفيذية والمناصب السيادية والانتخابات.
واعتبر دومة أن اتفاق «بوزنيقة» الذي رعته المغرب عام 2020 تم تجاوزه دون مصادقة رسمية، مما يفقده الإلزام القانوني، وأن أي محاولة لتطبيقه بشكل جزئي تعيد البلاد إلى مربع المحاصصة السياسية.
في المقابل، أكد محمد تكالة أن الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية العليا يعكس تسييساً واضحاً للمؤسسة القضائية لصالح طرف سياسي بعينه، متهماً مجلس النواب بمواصلة التشريعات الأحادية التي تضعف فرص التوافق الوطني.
ودعا تكالة الأمم المتحدة إلى عدم الاعتراف بالمحكمة الدستورية المستحدثة ودعم وحدة القضاء الليبي، مشيراً إلى أن تجاوز المرجعيات القانونية المتفق عليها يقوّض الاستقرار السياسي، ويُفشل أي مساعٍ لإطلاق العملية الانتخابية.
المسار الأممي بين الجمود والضغوط
بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، من جانبها، سعت إلى احتواء التصعيد عبر تصريحات ستيفاني خوري، نائبة رئيسة البعثة، التي شدّدت على ضرورة توحيد المؤسسات السياسية والقضائية والمضي قدماً نحو إجراء الانتخابات الوطنية.
وفي لقائها مع ممثلي مؤتمر الشباب بمدينة الزاوية، حذّرت خوري من أن استمرار الخلافات بين المؤسسات السيادية يعرقل خريطة الطريق الأممية ويهدد بفقدان الثقة الشعبية في العملية السياسية، رغم تسجيل أكثر من 2.8 مليون ناخب منذ خمس سنوات دون إجراء أي اقتراع.
يبقى المشير خليفة حفتر محوراً أساسياً في هذا الصراع غير المعلن؛ إذ إن تحصين قرارات تعيينه وترقياته العسكرية يكرّس نفوذ معسكر الشرق داخل المنظومة التشريعية والقضائية، ويُفهم منه أنه انتصار رمزي لمجلس النواب في بنغازي على خصومه في طرابلس.
لكن هذا التطور قد يؤدي إلى ردود فعل مقابلة من القوى السياسية في الغرب الليبي، التي ترى أن النفوذ العسكري في الشرق يهدد أي تسوية قائمة على التوازن بين السلطات المدنية والعسكرية.
مستقبل غامض وتساؤلات مفتوحة
يُجمع المراقبون على أن أزمة المناصب السيادية تمثل انعكاساً لأزمة الشرعية الأوسع في ليبيا، حيث تتنازع مؤسسات منقسمة على الأرض والمشروعية القانونية على النصوص. فالبلاد تجد نفسها أمام مسارين متوازيين: الأول، يقوده مجلس النواب في الشرق عبر محكمة دستورية جديدة ومؤسسات سيادية تحت سلطته. والثاني، يقوده المجلس الأعلى للدولة في الغرب متمسكاً بمرجعيات طرابلس القانونية والسياسية.
وبين المسارين، تقف الأمم المتحدة عاجزة عن فرض مسار موحد، في ظل غياب إرادة سياسية حقيقية لدى الأطراف لإنهاء حالة الانقسام المستمرة منذ عام 2014.
في ظل هذا المشهد المعقد، تبدو الانتخابات الرئاسية والبرلمانية أبعد من أي وقت مضى، رغم الإجماع الدولي على ضرورتها.
إذ إن كل خطوة نحو التوافق تصطدم بحائط من الخلافات المؤسسية، وبنزاع مفتوح على من يملك سلطة القرار.
وفي غياب تسوية حقيقية تعيد بناء الثقة بين مجلسي النواب والدولة، ستظل ليبيا رهينة صراعات النفوذ ومسرحاً لتجاذبات إقليمية تُغذي الانقسام بدلاً من تجاوزه.







