اعتبر الكاتب ريتشارد ويرلي أن السؤال الجوهري المطروح حاليًا لا يتعلق فقط بوقف إطلاق النار في أوكرانيا، بل بطبيعة الضمانات الأمنية التي يمكن تقديمها لكييف لمنع أي هجوم روسي جديد، مشيرًا إلى أن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد، خلال الأيام المقبلة، فرص التوصل إلى اتفاق تهدئة، قد يتزامن مع فترة أعياد الميلاد.
وقال ويرلي إن الأوروبيين يصرّون على أن تكون الولايات المتحدة في صلب هذه الضمانات، إلا أن الواقع الميداني يضع العبء اليومي في الأساس على عاتق أوروبا، التي ستجد نفسها عمليًا في موقع «الدرع الواقي» لأوكرانيا في مواجهة موسكو، محذرًا من أن أي درع غير محكم قد يدفع روسيا إلى اختباره عبر عدة جبهات في آن واحد.
وأضاف أن التعهد الأوروبي بنشر قوة عسكرية «لضمان الأمن» حول أوكرانيا يثير أسئلة معقّدة تتعلق بطبيعة خطوط التماس، والجهة التي ستشرف على المنطقة المنزوعة السلاح المحتملة، والتي قد تشبه، في شكلها ووظيفتها، المنطقة الفاصلة بين الكوريتين منذ عام 1953. وأشار إلى أن أي خطأ في إدارة هذه المنطقة قد يؤدي سريعًا إلى تصعيد واسع وخارج عن السيطرة.
وتابع الكاتب أن الغموض لا يزال يلف شروط تدخل القوات الأوروبية، خصوصًا في حال وقوع هجمات محدودة لا ترقى إلى مستوى حرب شاملة، لافتًا إلى خطر لجوء الجيش الروسي إلى اختبار هذه الضمانات عبر عمليات موضعية، باستخدام الطائرات المسيّرة على سبيل المثال. وفي هذا السياق، أشار إلى الدور المتوقع لسويسرا، التي ستتولى رئاسة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا عام 2026، في صياغة مدونة سلوك تضبط إدارة منطقة منزوعة السلاح تمتد لأكثر من ألف كيلومتر.
ويرى ويرلي أن الدفاع الجوي والدفاع ضد الطائرات المسيّرة سيكونان عنصرين حاسمين في أي منظومة أمنية مستقبلية، موضحًا أن الواقع العسكري اليوم يختلف جذريًا عمّا كان عليه عام 2014 عقب ضم شبه جزيرة القرم، إذ أظهرت الحرب الحالية كيف يمكن لعدد محدود من المسيّرات تعطيل مدن بأكملها، في وقت تعتمد فيه روسيا على ضربات بعيدة المدى تستهدف البنية التحتية والمدن. وتساءل عمّا إذا كان الأوروبيون مستعدين لتحمّل مسؤولية مراقبة الأجواء والرد على هذه الهجمات.
وأشار الكاتب إلى أن البحرية الأوكرانية طوّرت قدرات لافتة في مجال الطائرات المسيّرة البحرية، ما مكّنها من استهداف سفن روسية، لكنه تساءل عن كيفية منع تكرار مثل هذه العمليات في إطار أي اتفاق أمني مستقبلي، معتبرًا أن الاكتفاء بالإشارة إلى آلية شبيهة بالمادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو، من دون تفاصيل واضحة، لا يوفر ضمانات كافية. ولفت إلى أن إحدى الأوراق التكتيكية المتاحة للأوروبيين تكمن في إمكانية تسيير دوريات بحرية في البحر الأسود، متسائلًا عما إذا كانوا مستعدين لنشر قطع بحرية هناك.
وحذّر ويرلي من أن أخطر ما قد ينتج عن هذه الترتيبات هو صياغة فضفاضة للتضامن الأوروبي مع أوكرانيا، موضحًا أن نشر قوات على الحدود لا يجيب عن سؤال القيادة العسكرية في حال اندلاع مواجهة مباشرة، ولا عن حدود التدخل البري المحتمل إلى جانب الجيش الأوكراني، الذي يُفترض أن يبلغ قوامه 800 ألف جندي وفق ما يُناقش في المفاوضات.
وأضاف أن الغموض يطال أيضًا تفسير المادة الخامسة من معاهدة الناتو، التي تنص على اعتبار أي هجوم على دولة عضو هجومًا على جميع الأعضاء، لكنها لا تحدد بدقة طبيعة الرد ولا مستواه، وهو ما يترك هامشًا واسعًا للاجتهاد السياسي والعسكري.
وفي ختام تحليله، قال ويرلي إن الأوروبيين طالبوا واشنطن بضمانات أمنية قوية، ويبدو أن الملف سيُطرح على طاولة المجلس الأوروبي في بروكسل في 18 ديسمبر/كانون الأول، لكنه تساءل عن مدى موثوقية التعهدات الأميركية في ظل رئاسة دونالد ترامب. وخلص إلى أن أوكرانيا تحتاج إلى التزامات قانونية واضحة ومُلزِمة، مدعومة بقدرات ردع عسكرية حقيقية، خاصة إذا اضطرت للتخلي عن حلم الانضمام إلى حلف الناتو، مذكّرًا بأن «مذكرة بودابست» عام 1994 لم تحمِ سيادة أوكرانيا رغم الضمانات التي قُدّمت آنذاك.







