أعلنت الولايات المتحدة، في خطوة لافتة، عن تغيير جذري في طريقة تعاملها مع ثلاث دول محورية في غرب أفريقيا هي مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وهي دول تخوض صراعًا مفتوحًا مع جماعات إسلامية مسلحة، وفي الوقت نفسه يقودها حكام عسكريون قطعوا تعاونهم العسكري مع فرنسا واتجهوا إلى توثيق علاقاتهم مع روسيا.
الإعلان جاء عبر وزارة الخارجية الأمريكية التي أكدت أن نيك تشيكر، رئيس مكتب الشؤون الأفريقية، سيتوجه إلى باماكو لـ«نقل احترام الولايات المتحدة لسيادة مالي» ولبحث مسار جديد للعلاقات الثنائية، في لغة تختلف بوضوح عن الخطاب الأمريكي الذي طبع السنوات الماضية، والذي كان يربط أي تعاون سياسي أو أمني بمسألة العودة إلى الحكم المدني.
الأهم في التصريحات الرسمية ليس فقط ما قيل، بل ما غاب عنها: لا حديث عن الديمقراطية، ولا إشارات مباشرة إلى حقوق الإنسان، ولا حتى إلى مسار الانتخابات المؤجلة في الدول الثلاث.
هذا الصمت يعكس، أكثر من أي بيان، حجم التحول الجاري في أولويات واشنطن في منطقة باتت إحدى ساحات الصراع الدولي الأكثر احتدامًا.
غرب أفريقيا كساحة جديدة لصراع النفوذ الدولي
لم تعد منطقة الساحل وغرب أفريقيا مجرد هامش جيوسياسي بالنسبة للقوى الكبرى. خلال السنوات الأخيرة، تحولت المنطقة إلى ساحة صراع نفوذ مفتوحة بين الولايات المتحدة وروسيا، وبدرجة أقل الصين وتركيا.
انسحاب فرنسا العسكري التدريجي من مالي وبوركينا فاسو ثم النيجر، وما تبعه من انهيار نموذج الشراكة الأمنية الغربية التقليدية، خلق فراغًا استراتيجيًا سارعت موسكو إلى ملئه، سواء عبر التعاون العسكري المباشر أو عبر شبكات أمنية مرتبطة بها.
بالنسبة لواشنطن، فإن ترك المنطقة بالكامل في دائرة النفوذ الروسي لم يعد خيارًا مقبولًا، خصوصًا في ظل تصاعد أهمية الساحل كممر جغرافي يربط شمال أفريقيا بغربها، وكمنطقة عبور استراتيجية للموارد والطاقة والهجرة غير النظامية.
من هذا المنظور، فإن التحرك الأمريكي الجديد لا يمكن قراءته بوصفه مصالحة سياسية مع الأنظمة العسكرية، بقدر ما هو محاولة لإعادة التموضع داخل ساحة نفوذ تتغير موازينها بسرعة.
من خطاب الديمقراطية إلى واقعية المصالح
خلال الفترة التي أعقبت الانقلابات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، علّقت الولايات المتحدة تعاونها العسكري، ورفعت منسوب الضغط السياسي على السلطات الجديدة، انسجامًا مع خطاب إدارة بايدن الداعي إلى حماية المسار الديمقراطي.
لكن الوقائع الميدانية سارت في اتجاه معاكس تمامًا.
فبدل أن يؤدي الضغط الغربي إلى إضعاف الأنظمة العسكرية، أسهم في دفعها نحو تعميق شراكاتها مع موسكو، وإعادة صياغة خطاب سياسي داخلي قائم على السيادة ورفض “الوصاية الخارجية”.
اليوم، يبدو أن واشنطن تقرّ ضمنيًا بفشل سياسة العزل، وتنتقل إلى مقاربة أكثر واقعية: التواصل المباشر مع السلطات القائمة، مهما كانت طبيعة وصولها إلى الحكم.
التحول من خطاب القيم إلى خطاب المصالح يعبّر عن إدراك أمريكي متأخر بأن التأثير في مسار هذه الدول بات يمر عبر القنوات الأمنية والاقتصادية، لا عبر البيانات الحقوقية.
الموارد والمعادن… جوهر المعركة الصامتة
أحد العناوين غير المعلنة للتحول الأمريكي في غرب أفريقيا يتعلق بالموارد الطبيعية.
المنطقة غنية بالذهب، واليورانيوم، والليثيوم، والمعادن النادرة التي أصبحت جزءًا من أمن سلاسل الإمداد العالمية، خصوصًا في ظل التنافس الأمريكي–الصيني على تقنيات الطاقة والرقمنة.
النيجر، على سبيل المثال، ليست مجرد دولة تواجه تمردًا مسلحًا، بل تعد واحدة من أهم مزودي اليورانيوم في العالم، وهو عنصر بالغ الحساسية في الحسابات الاستراتيجية الغربية.
ومع انتقال الحكومات الجديدة إلى تنويع شركائها الدوليين، تخشى واشنطن أن تجد نفسها خارج معادلة الموارد في واحدة من أكثر مناطق العالم غنى بالثروات غير المستغلة.
من هنا، يتضح أن تقليص الاهتمام الأمريكي بالتنمية والحوكمة ليس مجرد تغيير لغوي، بل يعكس إعادة ترتيب للأولويات، يكون فيها أمن الموارد في صدارة الحسابات.
روسيا تستثمر خطاب السيادة وذاكرة الاستعمار
النجاح الروسي النسبي في التمدد داخل دول الساحل لم يكن عسكريًا فقط، بل كان سياسيًا ورمزيًا بامتياز.
ففي باماكو وواغادوغو ونيامي، بنى القادة العسكريون شرعيتهم الشعبية على خطاب مناهض لفرنسا، يستحضر ذاكرة الاستعمار، ويحمّل الشراكات الغربية مسؤولية فشل الحرب على الجماعات المسلحة.
موسكو، في هذا السياق، قدمت نفسها بوصفها شريكًا لا يتدخل في الشؤون الداخلية ولا يفرض شروطًا سياسية تتعلق بالحكم أو الانتخابات.
الرسالة الأمريكية الجديدة التي تؤكد “احترام سيادة مالي” تبدو، إلى حد بعيد، محاولة لمنافسة هذا الخطاب، أو على الأقل تحييده، بعدما أدركت واشنطن أن لغة الضغط لم تعد تلقى قبولًا شعبيًا في المنطقة.
تحالف مالي وبوركينا فاسو والنيجر… كتلة سياسية جديدة في الساحل
إشارة الخارجية الأمريكية إلى الرغبة في العمل ليس فقط مع مالي، بل أيضًا مع بوركينا فاسو والنيجر، تعكس اعترافًا ضمنيًا بواقع سياسي جديد في المنطقة.
فالدول الثلاث باتت تتصرف ككتلة متقاربة المصالح، سواء على مستوى الأمن أو الخطاب السياسي أو العلاقة مع القوى الخارجية.
هذا التكتل الإقليمي غير الرسمي يضعف من قدرة أي طرف خارجي على ممارسة ضغوط ثنائية منفصلة، ويفرض على واشنطن التعامل مع واقع جماعي جديد، وليس مع ملفات وطنية معزولة.
بالنسبة للولايات المتحدة، فإن اختراق هذا التكتل أو التأثير في قراراته يمر عبر بناء علاقات أمنية واقتصادية موازية لما تقدمه موسكو، لا عبر الرهان على الانقسامات الداخلية.
إغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية… مؤشر على أولويات جديدة
ضمن السياق نفسه، جاء قرار إغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في المنطقة بعد أيام قليلة من تنصيب دونالد ترامب لولاية جديدة، ليشكّل رسالة سياسية واضحة.
فالوكالة كانت تمثل الواجهة المدنية للنفوذ الأمريكي في غرب أفريقيا، وركيزة أساسية لبرامج التعليم والصحة وبناء القدرات.
إغلاقها أو تقليص دورها يعكس قناعة داخل الإدارة الجديدة بأن أدوات النفوذ الناعمة لم تعد كافية في بيئة باتت تتسم بالمنافسة الصلبة على النفوذ العسكري والاقتصادي.
هذا التحول يعزز الانطباع بأن واشنطن لم تعد ترى غرب أفريقيا ساحة إصلاحات سياسية طويلة الأمد، بل ساحة تنافس مباشر مع خصوم استراتيجيين.
ماذا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان؟
أكثر ما يلفت في الخطاب الأمريكي الجديد هو الغياب شبه الكامل لملف الديمقراطية.
ففي النيجر، لا يزال الرئيس المنتخب محمد بازوم رهن الإقامة الجبرية منذ الانقلاب، وفي مالي وبوركينا فاسو لا يوجد جدول زمني واضح لانتقال مدني.
ورغم ذلك، لم تُدرج هذه القضايا ضمن جدول زيارة المسؤول الأمريكي إلى باماكو، على الأقل وفق البيان الرسمي.
هذا التجاهل لا يعني بالضرورة تخلي واشنطن النهائي عن خطاب القيم، لكنه يشير إلى إعادة ترتيب مرحلية للأولويات، حيث تُقدَّم الحسابات الأمنية والاستراتيجية على أي أجندة إصلاح سياسي.
محاولة أمريكية لقطع الطريق أمام خصومها… لا لإعادة بناء المنطقة
في المحصلة، لا يمكن فصل التحرك الأمريكي الجديد في غرب أفريقيا عن سياق أوسع يتمثل في صراع النفوذ الدولي المتسارع على القارة.
الولايات المتحدة لا تسعى اليوم إلى إعادة هندسة المشهد السياسي في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بقدر ما تسعى إلى منع ترسخ واقع تكون فيه روسيا – ومعها قوى أخرى – صاحبة اليد العليا في واحدة من أكثر المناطق حساسية جغرافيًا ومواردًا.
الاعتراف بسيادة الأنظمة العسكرية، وتجاوز الحديث عن الانقلابات، والتركيز على الأمن والمعادن، كلها مؤشرات على مقاربة براغماتية هدفها الأساسي قطع الطريق أمام الخصوم، لا إعادة بناء نموذج الحوكمة في الساحل.
وبينما تحقق هذه المقاربة مكاسب تكتيكية لواشنطن على المدى القصير، يبقى السؤال الأعمق مطروحًا في غرب أفريقيا:
هل يمكن لقوة خارجية أن تنافس على النفوذ في منطقة مثقلة بالأزمات الأمنية دون أن تدفع ثمن تجاهل جذور عدم الاستقرار السياسية والاجتماعية؟







