مع اقتراب نهاية العام الأول من الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، تتحول الأنظار داخل الحزب الجمهوري إلى سؤالٍ واحدٍ يشبه معضلة الهوية: من سيرث الحركة الترامبية ويحمل راية “أميركا أولاً” في انتخابات 2028؟
فقد تجاوزت “الترامبية” منذ زمن كونها شخصية سياسية إلى أن أصبحت عقيدة كاملة داخل الحزب، تمزج بين الشعبوية القومية، والانعزالية الاقتصادية، ونزعة الشك في المؤسسات الفدرالية. واليوم، ومع تقدم ترامب في السن وتصاعد الحديث عن مرحلة ما بعده، يجد الجمهوريون أنفسهم أمام لحظة فارقة:
هل يمكن استمرار التيار ذاته دون الرجل الذي أنشأه؟
إرث ترامب… من الظاهرة إلى البنية
تقول صحيفة واشنطن بوست إن الحزب الجمهوري بات يعيش داخل “مؤسسة ترامب”، لا إلى جوارها. فـ”أميركا أولاً” لم تعد شعار حملة، بل بنية فكرية وتنظيمية أعادت صياغة الحزب من الداخل: من الخطاب الاقتصادي إلى السياسة الخارجية، ومن القواعد الانتخابية إلى التمويل.
ولهذا، فإن أيّ مرشحٍ يسعى لقيادة الحزب في 2028 لن يستطيع تجاوز إرث ترامب أو التنكّر له، بل سيُجبر على التعايش معه — ولو عبر نسخةٍ محدثةٍ من الترامبية أكثر انضباطًا أو “احترافية”.
تصف الصحيفة المشهد بأنه سباق مبكر مفتوح على كل الاحتمالات، حيث يمكن تقسيم المتنافسين المحتملين إلى ثلاث دوائر: الوجوه البارزة، ثم أصحاب الحضور المتوسط، وأخيرًا “الأحصنة السوداء” — أي المفاجآت السياسية التي قد تغيّر قواعد اللعبة.
الفئة الأولى: “ورثة الشرعية”
في مقدمة القائمة يأتي جاي دي فانس، نائب الرئيس الحالي، الذي اختار عدم التمايز عن ترامب بل التماهي معه.
فانس، الذي تحوّل من ناقدٍ لاذع للرئيس السابق إلى أحد أقرب مساعديه، يمثل في نظر القاعدة الشعبية النسخة الشابة القادرة على ضمان استمرارية المشروع الترامبي دون الحاجة لترامب نفسه.
وفق استطلاعٍ أجرته مؤسسة “يوغوف” في سبتمبر الماضي، يحظى فانس بدعمٍ قوي داخل القواعد الجمهورية، ويُنظر إليه كوجهٍ صاعد قادر على قيادة الحزب لعقدٍ كامل قادم.
في المقابل، يبرز اسم ماركو روبيو، وزير الخارجية الحالي، كأحد أعمدة الإدارة وصاحب خبرةٍ دولية تمنحه مصداقية داخل المؤسسة التقليدية للحزب.
روبيو لعب أدوارًا حساسة في ملفات غزة وإيران، ويُقال إن ترامب يراه خليفةً “منضبطًا” وقادرًا على حفظ الإرث دون مجازفات.
لكن مشكلته تكمن في افتقاده للمدّ الشعبي الكاسح الذي يميز الحركة الترامبية، وهو ما يضعه في موقع “الوريث المحتمل” أكثر من “القائد المقبل”.
الفئة الثانية: “الطامحون من الصف الثاني”
في هذه الفئة يقف دونالد ترامب الابن، الذي يقدم نفسه بوصفه الوريث الطبيعي، لا بالسياسة بل بالدم.
ورغم أنه لم يشغل أيّ منصبٍ رسمي حتى الآن، إلا أنه يتمتع بنفوذٍ واسع في الإعلام اليميني وشبكات التمويل الشعبي، ويُعدّ “الابن الأثير” في قلب العائلة السياسية الجديدة.
لكنّ المشهد لا يقتصر عليه؛ فحاكم فلوريدا رون ديسانتيس ما زال يحتفظ بشعبيةٍ معتبرة رغم خسارته أمام ترامب في تمهيديات 2024، ويحاول الآن إعادة تقديم نفسه كصوتٍ محافظٍ “أقلّ شخصنةً وأكثر مؤسسية”.
وفي الخلفية، يواصل تيد كروز لعب دور المعارض المخلص — يدافع عن سياسات ترامب لكنه لا يتردّد في نقدها، خصوصًا في قضايا حرية التعبير والرسوم الجمركية.
هؤلاء جميعًا يشكّلون “الجناح الموروث” للترامبية: من تبقى من جيلها الأول، يحاول التكيّف مع ما بعدها دون الانفصال عنها.
الفئة الثالثة: “الأحصنة السوداء” والمفاجآت المحتملة
اللافت أن بعض الأسماء غير المتوقعة بدأت تطرح نفسها في النقاش الداخلي للجمهوريين.
منها الرئيس ترامب نفسه، الذي ألمح في أكثر من مناسبة إلى “رغبته” في الترشح لولايةٍ ثالثة — رغم أن الدستور الأميركي يمنع ذلك صراحةً.
لكن مجرد تداول الفكرة يعكس مدى تشابك شخصه مع هوية الحزب حتى بعد ولايتين.
ومن الأسماء المثيرة أيضًا كريستي نويم، وزيرة الأمن الداخلي، التي تبني شعبيتها على تنفيذ سياسات الترحيل الجماعي الأكثر تشددًا في التاريخ الأميركي الحديث.
كما يبرز روبرت كينيدي الابن، وزير الصحة الحالي، وهو شخصية جدلية داخل الحزب، يثير انقسامًا واسعًا بسبب مواقفه من اللقاحات وسياسات الصحة العامة.
هذه الأسماء، وإن بدت هامشية الآن، قد تتحوّل إلى أوراق ضغط أو مفاجآت انتخابية في لحظة فراغ قيادي محتملة.
الترامبية كعقيدة لا كزعيم
من زاوية أوسع، ما يجري داخل الحزب الجمهوري اليوم ليس مجرد منافسةٍ على من سيخلف دونالد ترامب في البيت الأبيض، بل نقاش حول جوهر الهوية السياسية للحزب نفسه.
فالترامبية لم تعد مجرد تيارٍ يدور حول شخصية ترامب، بل أصبحت سؤالاً أكبر:
هل تبقى حركةً غاضبة ترفع شعار “استعادة أميركا من النخب”، أم تتحول إلى مؤسسة حزبية منظمة تضع قواعد جديدة للسياسة الأميركية المحافظة؟
هل تظل صوت الاحتجاج ضد النظام، أم تصبح جزءًا منه ولكن بشروطها الخاصة؟
حتى الآن، لا توجد إجابة نهائية، لكن ما يبدو واضحًا أن الحزب الجمهوري لن يعود أبدًا إلى ما كان عليه قبل عام 2016.
فالقواعد الانتخابية تغيّرت، واللغة السياسية تغيّرت، وحتى معايير الولاء داخل الحزب أصبحت تدور حول مدى الالتصاق بفكرة “أميركا أولاً”.
الناخبون الذين صوّتوا لترامب مرتين لا يرون في الحركة مجرد حملة سياسية، بل أسلوب تفكير جديد يعكس رفضهم للبيروقراطية والنخبة الإعلامية، وتمسكهم بفكرة “الزعيم القوي” الذي يقول ما لا يجرؤ الآخرون على قوله.
لهذا السبب، أيّ مرشح جمهوري في انتخابات 2028 — سواء من الوجوه البارزة أو من المفاجآت السياسية — سيظل أسير هذه المعادلة البسيطة والمعقدة في آن واحد:
لا يمكن الفوز من دون ترامب،
ختام: أميركا أولاً… من شعار إلى مذهب سياسي
بينما تتابع واشنطن ملامح السباق المبكر نحو انتخابات 2028، يبدو أن شعار “أميركا أولاً” تجاوز حدود الحملات الانتخابية ليصبح منهجًا فكريًا جديدًا لإدارة الدولة والمجتمع.
فهو لم يعد شعارًا انتخابيًا، بل مذهبًا سياسيًا متكاملًا يعيد تعريف الوطنية الأمريكية من الداخل، ويضع العالم الخارجي في مرتبةٍ ثانوية أمام فكرة التفوق القومي ومركزية المصالح الذاتية.
تُترجم “الترامبية” اليوم في السياسة الخارجية إلى انعزاليةٍ انتقائية — لا انسحابًا من العالم، بل اختيارًا انتقائيًا لمعاركه، وفي الداخل إلى شعبويةٍ مؤسساتية تضع “الأمة” قبل “الدولة العميقة”، و”الشارع” قبل “النخبة”.
بهذا المعنى، لم تعد الحركة مجرد استثناءٍ في تاريخ الحزب الجمهوري، بل تحوّلت إلى إطارٍ ذهنيّ جديد يحدد طريقة تفكير الجمهوريين في الاقتصاد والهجرة والأمن والهوية.
ولذلك، فإن السؤال عن “وريث الترامبية” قد فقد معناه تقريبًا؛
إذ لم تعد الترامبية بحاجة إلى من يرثها، لأنها أصبحت هي نفسها الوريث الطبيعي للجمهورية الحديثة —
الامتداد المعاصر لنيوليبرالية ريغان في الثمانينيات، وللمحافظة الدينية التي شكّلت عهد بوش الابن في العقد الأول من الألفية.
ما بعد ترامب لا يعني نهاية الظاهرة، بل تحوّلها من شخصٍ إلى بنية، ومن خطابٍ إلى ثقافة سياسية.
فالترامبية، التي وُلدت كحركةٍ احتجاجية ضد “النظام”، باتت اليوم جزءًا من النظام ذاته، تشكله من الداخل وتفرض عليه شروطها الجديدة.
وإذا كانت واشنطن تتحدث عن مرحلة ما بعد ترامب، فإن الحقيقة الأعمق هي أن أميركا نفسها قد دخلت عصر ما بعد الترامب — حيث لم يعد ممكناً العودة إلى ما قبل 2016.







