بيان المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة الصادر في 17 أغسطس يكشف عن تصعيد في الخطاب الموجه ضد إسرائيل، حيث اتهم الاحتلال باتباع سياسة متعمدة تقوم على “هندسة التجويع” بحق أكثر من 2.4 مليون فلسطيني، بينهم أكثر من 1.2 مليون طفل. التركيز في البيان على الفئات الأكثر هشاشة ـ الأطفال والمرضى ـ يعكس محاولة تسليط الضوء على الأبعاد الإنسانية الكارثية للحصار، وربطه بمفهوم “الإبادة الجماعية” من أجل تعزيز الحجة السياسية والقانونية ضد إسرائيل في المحافل الدولية.
جرائم ضد الإنسانية
الأرقام التي ذكرها البيان، مثل إصابة 40 ألف رضيع بسوء تغذية حاد، وتعرض أكثر من 100 ألف طفل ومريض لخطر الموت التدريجي، تشكل مادة صادمة للرأي العام العالمي، وتستهدف إثارة الضغط الأخلاقي على المؤسسات الدولية. استخدام لغة مأساوية مثل “مشاهد وداعهم بالصوت والصورة” ليس مجرد وصف، بل هو استراتيجية إعلامية تهدف إلى توثيق معاناة الفلسطينيين بطريقة تضع إسرائيل أمام اتهام مباشر بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بل وإبادة جماعية “مكتملة الأركان”.
في الوقت نفسه، يعكس البيان مأزقاً أكبر يتعلق بغياب أي استجابة فعالة من جانب المجتمع الدولي رغم الإدانات المتكررة. فالمكتب الإعلامي يشير إلى أن سلطات الاحتلال لا تزال تمنع إدخال مواد غذائية أساسية كاللحوم، الأسماك، الألبان، وحليب الأطفال، حتى وإن دخلت كميات محدودة، فإنها غالباً ما تتعرض للنهب أو التعطيل، ما يعمّق من الأزمة. بهذا المعنى، يُظهر البيان أن سياسة الحصار لم تعد مجرد أداة للضغط العسكري، بل تحولت إلى استراتيجية ممنهجة لإدارة الحياة والموت في غزة.
الاتهام المباشر للإدارة الأمريكية والدول الداعمة لإسرائيل بتحمل “المسؤولية القانونية والإنسانية” يوسّع دائرة الاتهام لتشمل أطرافاً دولية، ما يضع هذه الأطراف أمام مساءلة سياسية وقانونية، خصوصاً في ضوء القوانين الدولية التي تحظر استخدام التجويع كوسيلة حرب. ومن خلال هذا الطرح، يحاول البيان نقل القضية من كونها نزاعاً فلسطينياً-إسرائيلياً إلى مستوى جريمة عالمية يتوجب على المجتمع الدولي التدخل لوقفها.
هندسة التجويع
المطالبة بضغط عربي وإسلامي ودولي “فاعل” وليست فقط إدانات شكلية، تكشف عن إدراك عميق لقصور المواقف السابقة التي لم تتجاوز حدود التصريحات. وفي هذا السياق، يبدو أن الهدف من البيان ليس فقط كشف حجم المعاناة، بل الدفع باتجاه تحرك عملي مثل فتح المعابر أو كسر الحصار بقرارات سياسية ملزمة.
هذا البيان يعكس تحوّلاً في خطاب غزة الرسمي من مجرد توصيف للأوضاع الإنسانية إلى صياغة اتهام قانوني متكامل ضد إسرائيل، يستند إلى مفاهيم مثل “الإبادة الجماعية” و”هندسة التجويع”. وهو خطاب يستهدف المجتمع الدولي، لكن فعاليته ستظل مرهونة بمدى استعداد الأطراف الدولية لاتخاذ إجراءات تتجاوز الإدانة الكلامية نحو ممارسة ضغوط ملموسة على إسرائيل لوقف هذه السياسة التي تحولت إلى أداة مركزية في إدارة الصراع.







