في مساء 30 يونيو/حزيران، كان مقهى “الباقة” على شاطئ غزة ملاذًا أخيرًا لمدنيين أرهقتهم الحرب، يبحثون فيه عن لحظة طبيعية وسط ركام الموت. لكن تلك اللحظة سرعان ما تحوّلت إلى فاجعة، حين ألقت طائرة حربية إسرائيلية قنبلة أميركية الصنع على المقهى، فحوّلته إلى رماد، وقضى فيه أكثر من 30 إنسانًا، من طلاب وصحفيين وفنانين ونازحين، وأصيب العشرات.
رغم مرور الأيام، لا تزال الشهادات التي رواها الناجون وأحباء الضحايا تنزف وجعًا، وتشكّل أدلة دامغة على مأساة يتوارى خلف أرقامها بشرٌ كانوا يعيشون ويحلمون. هذه القصص ليست عن ضحايا فقط، بل عن علاقات، وآمال، وأحاديث لم تُكملها الحياة.
وداع في آخر موعد
كانت علا عبد ربه تظن أن لحظات المساء تلك ستكون ذكرى جميلة تضيفها إلى دفتر علاقتها بخطيبها نسيم سبها. جلست وإياه على الطاولة المطلة على البحر، بينما الموج يهمس، والمقهى يزدحم بأشخاص يحاولون التمسك بفتات الحياة.
نسيم، بابتسامته التي كانت دوماً تحمل طمأنينة غريبة، همس لها كعادته حين يدور الحديث عن الحرب والموت: “لا تخافي، ما دمنا معاً، فلن يصيبنا شيء… وإذا أصابنا، سنذهب معًا”. تلك الكلمات لم تكن نبوءة، بل كانت وداعًا في هيئة رجاء.
دوى الانفجار فجأة. الأرض اهتزت تحت أقدامهم، وتحول المقهى إلى صمت وغبار. علا سقطت على الأرض بساق ممزقة وجرح ينزف، بينما التفتت إلى نسيم، تتوسله بعينيها ودموعها: “لا تتركني، لا تمت”. لكنه كان راحلًا. الدم ينزف من ظهره، وحين وصلت المستشفى وسألت عنه، أجابتها قريبة له بصوت متهدج: “نعم، جئنا به إليك لتودعيه”.
شقيقتان في الروح لا في الدم
كانت منى شابة لا تعرف إلا الحياة. طالبة هندسة في ربيعها الحادي والعشرين، يتبعها الضحك أينما ذهبت. رغد، صديقتها، طالبة صيدلة تشبهها في الحلم والإصرار. خرجتا في ذاك اليوم فقط “ليشمّا هواء البحر”، كما قالتا. لم يكن في نيتهما سوى لحظة سلام وسط الجنون.
هيا، ابنة عم منى، لم تكن تعرف أن النبأ الذي سيصلها سيفتت قلبها. حين وصل اسم رغد على قائمة الشهداء، أدركت أن منى كانت معها. وما هي إلا لحظات حتى تأكدت الحقيقة: منى لم تعد. لم تعد الابتسامة، ولا الذكريات، ولا ضحك الطفولة. رحلت منى، وبقيت هيا تُحدّث صورتها في الهاتف، كما لو كانت لا تزال قريبة بما يكفي لتسمع.
الفنانة التي رسمت وداعها
كانت فرانس، أو آمنة السالمي، أكثر من مجرد فنانة. كانت تحلم بعالم يتسع للبهجة، تسافر فيه، ترسم، وتعيش كأن الحصار لا وجود له. كانت شريكتها في الفن، مريم، تعلم ذلك، وكانت تعرف أيضًا أن فرانس تعطي لكل لوحة روحًا، ولكل طفل في كفن وجعًا ناطقًا.
حين جلست فرانس مع الصحفي إسماعيل أبو خطاب في المقهى، لم تكن تعلم أن آخر أعمالها الفنية سيغدو نبوءة. فقد رُسِمت صور الأطفال الراحلين وكأنها تستعد للالتحاق بهم. مريم لم تكن هناك، لكنها ظلت تتصل بفرانس مرارًا، إلى أن جاءها النبأ الذي لم تحتمل أن تنطقه بصوت عالٍ: “استشهدت فرانس”.
غروب بلون الدم
جلس محمد نعيم مع صديقه يتأملان البحر، يتحدثان عن الغد، عن الحياة، عن الأمل الذي لا يتوقف عند الحصار. لمحا سفينة إسرائيلية في الأفق، وتساءلا: “هل يعلم من فيها أننا مجرد شباب نحاول أن نحيا؟”
لم تمهلهما الإجابة. كان الانفجار أسرع من التفكير. طار محمد بضعة أمتار، وحين نهض، رأى ساق صديقه معلقة بخيط رفيع. ساعده على الوصول إلى سيارة الإسعاف، لكن المشهد ظل محفورًا فيه.
رغم تعافيه الجسدي، يعترف محمد: “لم أعد أشعر بالأمان حتى قرب البحر”. البحر الذي كان رفيقه الأوفى، صار مرآة لجريمة لن ينساها.
صباح الموت
في ظهيرة يوم الغدر، ذهبت الصحفية بيان أبو سلطان إلى المقهى بحثًا عن لحظة “سلام زائف”، كما وصفتها. أرادت فقط أن تشعر، ولو لساعة، أنها ما زالت إنسانة تعيش حياة طبيعية.
التقت بصديقها محمد، تبادلا الحديث، أشارت إلى البحر وقالت: “السفن الحربية قريبة اليوم”، لكنهما تجاهلا الخوف، فالحياة في غزة لا تترك لك خيارات كثيرة. ثم، فجأة، انتهى كل شيء. تحطم الزجاج، طار الغبار، وغرقت الوجوه في الدماء.
زحفت بيان تحت الطاولة، وحماها محمد من الشظايا. وحين نظرت حولها، رأت ساقًا مبتورة وامرأة تموت ببطء إلى جانبها. وجدت جسدي صديقيها فرانس وإسماعيل، ساكنين على الطاولة التي ضحكوا فوقها قبل دقائق.
خرجت من بين الركام بخطى مثقلة ليس فقط بالجراح، بل بالخذلان. لم تكن تصدق أنها نجت، ولم تكن تعرف ما تفعل بجراح في الروح لا تندمل.







