الحديث عن إعادة إعمار غزة، بات أمرًا لا يمكن لأحد التأكد من جديته، في ظل الجرائم التي يرتكبها جيش الاجتلال الإسرائيلي، تجاه المدنيين في القطاع، والخرق المستمر لاتفاق وقف إطلاق النار، ويبرز طرح جاريد كوشنر بوصفه مقاربة لا ترى في القطاع أرضًا محتلة ولا قضية تحرر وطني، بل مساحة اقتصادية «قابلة للاستثمار».
مقاربة تعيد إنتاج منطق «السلام الاقتصادي» بصيغة أكثر فجاجة، تنزع عن غزة بعدها السياسي والحقوقي، وتعيد تعريف المأساة الفلسطينية كأزمة تنموية قابلة للحل عبر رأس المال والحوكمة البديلة. وبين تحذيرات كتاب وأكاديميين فلسطينيين، تتكشف أبعاد مشروع يسعى إلى إعادة هندسة الواقع الفلسطيني، مستفيدًا من لحظة إنهاك غير مسبوقة، لتمرير حلول تفصل الجغرافيا وتفرغ التمثيل السياسي من مضمونه.
رفض الشعب الفلسطيني أي مشاريع تُفرض عليه
مقترح كوشنير طرحٌ غير جديد بالنسبة للفلسطينيين، فهذا الطرح يعيد إنتاج النمط الذي طُرح في منتصف تسعينيات القرن الماضي تحت مسمّى “سنغافورة الشرق الأوسط” و”ريفيرا”، والقائم على تسويق مشاريع أبراج وفنادق ومنتزهات بمعزل عن جوهر القضية. هذا الطرح مرتبط بمؤتمر دافوس، حيث يختزل قطاع غزة في بُعد اقتصادي بحت، وكأنه منطقة تعاني الفقر فقط، متجاهلًا وبشكل متعمد حقيقة أن ما دمّر غزة هو الاحتلال الإسرائيلي. حسب تصريحات الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا لوكالة صفا.
هذه المقترحات الاقتصادية تُجرَّد بالكامل من بُعدها الجغرافي والسياسي، ما يعكس بوضوح تطابق الموقف الأمريكي مع الرؤية الإسرائيلية، دون أي تحول حقيقي في المقاربة. هذه المحاولات تندرج ضمن مساعٍ إسرائيلية–أمريكية مستمرة، تنبع من رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي تتعامل مع القضايا الدولية بمنطق اقتصادي بحت، كما يحدث في ملفات أخرى حول العالم، وأن تطبيق هذا المنطق على غزة يتجاهل بعدها السياسي والإنساني والمجتمعي. وفقا للمحلل السياسي.
فشل هذه الخطط متوقع، لأسباب منها طبيعة قطاع غزة الجغرافية والديموغرافية، وغياب أي حلٍ سياسي فعلي، فضلا عن رفض الشعب الفلسطيني أي مشاريع تُفرض عليه وتُنفذ على حساب حقوقه الوطنية. وخصوصية الحالة الفلسطينية، حيث يتشبث الغزّي بأرضه ووطنه رغم المجاعة والإبادة، ولا يمكن أن يقبل حلولًا بديلة تنتقص من حقه. المدخل الصحيح لأي معالجة يبدأ أولًا بالاعتراف بأن ما يجري في غزة هو قضية سياسية أساسها الاحتلال الإسرائيلي، وثانيًا بأن أي عملية إعادة إعمار يجب أن تُنفذ بأيدٍ فلسطينية قادرة على النهوض بالقطاع. حسب وكالة صفا.
الغرض من عضوية المليار في مجلس غزة
الحديث الأمريكي–الإسرائيلي المتكرر عن إعمار غزة واليوم التالي لا يعكس نية حقيقية لإعادة الإعمار، بل يخفي خلفه ترتيبات مالية وسياسية تخدم الإدارة الأمريكية ومصالحها. إن ما يُسمّى بـ مشروع مجلس السلام لا يستهدف إعادة إعمار القطاع بقدر ما يسعى إلى تفكيك التواصل الجغرافي والسياسي للمنطقة العربية. الأخطر في هذا المجلس هو طابعه المالي الإقصائي، إذ تُقدَّر عضويته بمليار دولار، ومن أراد المشاركة في الإعمار عليه أن يدفع، في مشهد يعكس فتح حسابات مالية جديدة على حساب الفلسطينيين، تحت غطاء إنساني ودولي زائف. حسب الكاتب والباحث السياسي محمد القيق لـ وكالة صفا.
مخاطر الطرح الذي يقدمه جاريد كوشنر مبعوث الرئيس الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية، معتبرة أن ما عُرض منذ حواره في جامعة هارفارد يتجاوز مفهوم “السلام الاقتصادي” إلى محاولة واعية لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني بعيدًا عن الشرعية السياسية الوطنية والتمثيل الفلسطيني المعترف به. كوشنر كان “فجًّا وواضحًا” في استهدافه المباشر للسلطة الفلسطينية، إذ لا ينظر إليها كشريك سياسي، بل كـ”عائق وظيفي” يجب تجاوزه، وهو ما يمكن توصيفه بعقيدة كوشنر السياسية. حسب تصريحات أستاذة الدبلوماسية وحل الصراعات في الجامعة العربية الأمريكية، د. دلال عريقات لوكالة يافا الإخبارية.
انتقادات كوشنر العلنية للرئيس محمود عباس ولما سماه “الحرس القديم” لا تندرج في إطار النقد السياسي الطبيعي، بل تشكل مدخلًا لشيطنة القيادة الفلسطينية وشرعنة بدائل مصطنعة، مثل “مجالس سلام” محلية أو صيغ تكنوقراطية مرتبطة مباشرة بالخطة الاستثمارية المطروحة. كوشنر استخدم خطاب “فساد النخبة” لربط تمدد الاستيطان بما وصفه بـرفاهية القيادة الفلسطينية، في محاولة لضرب الأخلاق السياسية للمفاوض الفلسطيني، وتبرير تجاوز القيادة الرسمية والالتفاف عليها عبر التواصل المباشر مع القطاع الخاص أو شخصيات تكنوقراطية، بما يفرغ التمثيل السياسي الفلسطيني من مضمونه. حسب عريقات.
الغرض الحقيقي من خطة كوشنر
الخطر الأكبر يكمن في ما سمته “الفصل الواقعي بموافقة فلسطينية”، وأن طرح ما يُعرف بـ”غزة الجديدة” يأتي في لحظة إنهاك غير مسبوقة يعيشها الفلسطينيون، ما قد يدفع قطاعات منهم إلى القبول بأي حل مقابل وقف العدوان. الخشية الحقيقية تتمثل في تمرير فصل قطاع غزة إداريًا وسياسيًا عن الضفة الغربية تحت غطاء لجان تكنوقراطية أو ترتيبات انتقالية، مؤكدة أن التجربة التاريخية أثبتت أن الحلول المؤقتة غالبًا ما تتحول إلى واقع دائم مفروض على الأرض. وفقا لـ د. دلال عريقات.
ووفقا لـ يافا الإخبارية، يؤكد أستاذ العلوم السياسية د. سهيل دياب أن خطة جاريد كوشنر التي طُرحت مؤخرًا في دافوس تحت عنوان “إعمار غزة” تتقاطع بشكل واضح مع تجربة مؤتمر المنامة سنة 2019 وما عُرف حينها بـ”صفقة القرن”، مشيرًا إلى وجود ثلاثة عناصر مشتركة جوهرية بين الطرحين تعكس جوهر المقاربة الأمريكية للقضية الفلسطينية.
ويوضح دياب أن أول هذه العناصر يتمثل في الارتكاز شبه الكامل على البعد الاقتصادي، دون تقديم أي مقاربة سياسية واضحة لمستقبل الحكم في قطاع غزة، سواء تعلق الأمر بحكم ذاتي أو سيادة فلسطينية أو دولة مستقلة، مؤكدًا أن تجاهل البعد السياسي لم يكن صدفة، وهو ما يفسر الرفض الفلسطيني المتواصل لهذه الطروحات منذ صفقة القرن وحتى اليوم.







