قرار الهيئة الوطنية للانتخابات في مصر بإعادة الاقتراع في 19 دائرة انتخابية في 7 محافظات، بسبب ما تم رصده من “مخالفات جوهرية”، يعكس مجموعة من القضايا المعقدة المتعلقة بنزاهة العملية الانتخابية في مصر، وتأثيرات المال السياسي في الانتخابات، فضلاً عن دور الهيئة في الحفاظ على مصداقية العملية الديمقراطية. لكن ما قد يكون أكثر إثارة للجدل في هذا السياق هو السؤال حول مدى تأثر الهيئة الوطنية للانتخابات بالتدخلات السياسية، خصوصاً في ضوء تصريح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي طالب الهيئة بـ”التدقيق التام” في فحص الطعون.
فساد المال السياسي وتأثيره على الانتخابات
من خلال المعلومات التي تم الإعلان عنها، يمكن ملاحظة أن المخالفات التي تم رصدها في الانتخابات كانت من النوع الذي يرتبط بشكل وثيق بالمال السياسي، مثل “الدعاية الانتخابية أمام مراكز الاقتراع” و”التفاوت في عدد الأصوات في اللجان الفرعية واللجان العامة”. هذه الأنواع من المخالفات تشير إلى أن بعض الأطراف قد استخدمت مواردها المالية للتأثير على سير العملية الانتخابية بشكل غير قانوني، سواء عبر التأثير على الناخبين في المراكز الانتخابية أو عن طريق التلاعب بنتائج التصويت.
المال السياسي في الانتخابات المصرية يعتبر من القضايا الشائكة التي قد تؤثر بشكل كبير على نزاهة الانتخابات. وهو يشمل استخدام الأموال للتأثير على قرارات الناخبين، أو لتقديم مكافآت أو تهديدات للمرشحين. وفي كثير من الأحيان، يمكن أن تكون الدعاية الانتخابية المكثفة أمام مراكز الاقتراع جزءاً من هذه الحملة الانتخابية المدعومة بالمال، وهو ما يفسر لماذا كان هذا النوع من المخالفات أحد الأسباب الرئيسية لإلغاء الاقتراع في بعض الدوائر.
بالإضافة إلى ذلك، فإن التفاوت في عدد الأصوات بين اللجان الفرعية واللجان العامة قد يشير إلى وجود تلاعب في النتائج، وهو ما يعزز الفكرة بأن المال السياسي قد يكون قد استخدم للتلاعب في العمليات الانتخابية. ففي ظل غياب الشفافية والمراقبة الدقيقة، يصبح من السهل على بعض الأطراف استخدام المال لإعادة تشكيل نتائج الانتخابات لصالحهم.
الهيئة الوطنية للانتخابات: استقلالية أم تأثير سياسي؟
قرار الهيئة الوطنية للانتخابات بإلغاء الاقتراع في بعض الدوائر لم يكن الأول من نوعه في تاريخ الانتخابات المصرية، لكنه يعد خطوة غير مسبوقة في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي. يتساءل البعض ما إذا كانت الهيئة قد اتخذت هذا القرار بناءً على معايير قانونية ومهنية محضة، أم أن هناك ضغوطات سياسية قد أثرت في اتخاذ القرار.
في الواقع، تصريحات الرئيس السيسي بشأن “التدقيق التام” في الطعون وعدم التردد في اتخاذ القرار الصائب، تشير إلى نوع من التأثير السياسي على الهيئة. بينما قد يُنظر إلى هذه التصريحات على أنها دعم للهيئة في عملها، فإنها في الوقت نفسه قد تثير تساؤلات حول مدى استقلاليتها في اتخاذ قراراتها بعيداً عن التوجهات السياسية. وعليه، قد يكون من الصعب التأكد ما إذا كان القرار ناتجاً عن تحليل مستقل للأوضاع الانتخابية أم أن الهيئة كانت في انتظار إشارة من القيادة السياسية قبل اتخاذه.
هذه النقطة تزداد تعقيداً إذا نظرنا إلى السياق العام للانتخابات المصرية في السنوات الأخيرة، حيث يلاحظ أن عملية اتخاذ القرار في الكثير من الأحيان تتأثر بالسلطة التنفيذية، الأمر الذي قد يجعل من الصعب على الهيئة الوطنية للانتخابات العمل بمعزل عن التأثيرات السياسية. في هذه الحالة، لا يمكن استبعاد فرضية أن الهيئة قد كانت تنتظر التدخل من الرئيس السيسي، لا سيما أن هناك تاريخاً من العلاقات المعقدة بين الهيئة والسلطة التنفيذية.
دور الهيئة في حماية حقوق الناخبين
من خلال ما ذكره رئيس الهيئة حازم بدوي في المؤتمر الصحفي، يمكن ملاحظة أن الهيئة تروج لفكرة حماية حقوق الناخبين وضمان نزاهة العملية الانتخابية. وفقاً لتصريحاته، فإن الهيئة تعتبر نفسها “جزءاً من نبض الشعب المصري” وتلتزم بمبادئ العدالة والمساواة والشفافية. من هذا المنظور، يبدو أن الهيئة تحاول أن تضع نفسها في موقع المدافع عن العملية الديمقراطية ضد أي محاولة للتلاعب أو الفساد.
إلا أن هذه التصريحات، على الرغم من كونها تركز على حماية حقوق المواطنين، قد تكون بحاجة إلى المزيد من الإجراءات الملموسة لتوفير الشفافية المطلوبة، خصوصاً في ظل وجود مشاكل متكررة تتعلق بالمال السياسي والتأثيرات الخارجية في الانتخابات. التزام الهيئة بالحفاظ على مصداقية الانتخابات لا يتوقف عند الإعلان عن مخالفات أو إعادة الاقتراع، بل يتطلب اتخاذ إجراءات فاعلة على الأرض لمكافحة كافة أشكال التلاعب.
هل كان التدخل الرئاسي ضرورياً؟
المفارقة التي قد تثير الاهتمام هي أن الهيئة لم تقم باتخاذ أي قرارات حاسمة بشأن المخالفات التي تم رصدها، إلا بعد تدخل الرئيس السيسي. هذه المسألة تطرح تساؤلاً مهماً حول مدى استقلال الهيئة ومدى استعدادها لتحمل مسؤولياتها في ظل الضغوط السياسية. ربما كان من الأفضل أن تقوم الهيئة باتخاذ قراراتها بناءً على المعايير القانونية والانتخابية البحتة، دون الحاجة إلى تدخل مباشر من رأس السلطة التنفيذية.
على الرغم من أن تدخل الرئيس في المسائل الانتخابية قد يفسر بأنه دعم للهيئة وتعزيز للشفافية، إلا أن هذا التدخل قد يعكس في ذات الوقت نقصاً في الاستقلالية السياسية للهيئة. لا يمكن تجاهل أن الهيئة هي من المفترض أن تكون الهيئة المستقلة التي تضمن نزاهة الانتخابات بعيداً عن التأثيرات السياسية، وبالتالي قد يؤثر هذا التدخل على الثقة العامة في مصداقية العملية الانتخابية.
قرار الهيئة الوطنية للانتخابات بإلغاء الاقتراع في 19 دائرة انتخابية يعكس جانباً مهماً من التحديات التي تواجه الانتخابات في مصر، خاصةً فيما يتعلق بالمال السياسي والتلاعب في نتائج الانتخابات. بينما يبدو أن الهيئة قد اتخذت هذا القرار بناءً على رصد مخالفات خطيرة، فإن التدخل المباشر من الرئيس السيسي قد يثير تساؤلات حول مدى استقلالية الهيئة. في النهاية، يجب على الهيئة أن تعمل على تعزيز نزاهة الانتخابات وتوفير آليات فعالة لمكافحة الفساد المالي والسياسي، بغض النظر عن الضغوط السياسية أو التدخلات الخارجية، لضمان أن تكون الانتخابات حقاً تعبيراً عن إرادة الشعب المصري.







