تطرح الخطط الإسرائيلية الرامية إلى نقل عشرات آلاف الفلسطينيين من مناطق مختلفة في قطاع غزة إلى ما يسمى “المدينة الإنسانية” شرق رفح، جملة من الدلالات العميقة والخطيرة في آن، لا سيما أنها تأتي في سياق حرب طويلة الأمد ذات طابع تدميري ممنهج، بات واضحاً أنها تجاوزت الأهداف العسكرية إلى مشاريع إعادة هندسة ديموغرافية وسياسية للقطاع. هذه الخطط، التي تحاول حكومة الاحتلال تسويقها باعتبارها حلولاً “إنسانية”، تمثل في واقع الأمر وجهًا آخر لسياسات التهجير القسري والتطهير العرقي التي طالما اتهم بها الفلسطينيون إسرائيل.
تفريغ غزة من سكانها الأصليين
الدلالة الأولى لهذا المشروع تكمن في طبيعته الأمنية لا الإنسانية. فالمدينة المقترحة لا تُبنى بمواصفات إيواء طارئ، بل كما تشير تصريحات ومعلومات من الجبهة الديمقراطية وشبكة المنظمات الأهلية، تُخطط كمكان محاط بقوات الاحتلال، تديره جهات محلية مرتبطة أمنياً بالجيش الإسرائيلي، وتُبقي السكان تحت رقابة عسكرية مشددة، في ما يشبه معسكرات احتجاز جماعية. هذا يعني أن إسرائيل تسعى إلى تفريغ أجزاء واسعة من القطاع، ونقل السكان إلى منطقة محددة يمكن التحكم بها، بما يحقق هدفين في آن واحد: إضعاف البيئة الشعبية للمقاومة، وتسهيل السيطرة على باقي أجزاء القطاع أمنياً وعسكرياً.
الدلالة الثانية أن هذا المشروع يُعتبر تنكراً كاملاً للحق الفلسطيني في تقرير المصير والعيش بحرية على أرضه. فحين يُجبر السكان على مغادرة مناطقهم بفعل القصف والتدمير، ثم يُوضعون في مناطق مغلقة بحجة “الحماية”، تكون النتيجة المباشرة تفريغ غزة من سكانها الأصليين، أو على الأقل إعادة تموضعهم ضمن خطوط جديدة تُفرض بالقوة. وهذا يعكس محاولة لإعادة ترسيم الواقع الجغرافي والديموغرافي للقطاع، على نحو يتماشى مع مصالح الاحتلال ويخدم استراتيجياته طويلة الأمد في فرض “حل أمني” لا سياسي، يكرّس السيطرة من دون كلفة الاحتلال المباشر.
تفتيت القضية الفلسطينية باسم الإنسانية
في السياق ذاته، تكشف تصريحات وزير جيش الاحتلال وتصريحات مسؤولين أمريكيين، إلى جانب ما تسرّب عن دور مؤسسة “GHF” والشركة الأمنية الأمريكية المصاحبة لها، أن المشروع ليس محلياً أو معزولاً، بل مدعوم إقليمياً ودولياً من أطراف لها مصالح أمنية واقتصادية في تهدئة القطاع وتحويله إلى “منطقة صامتة” تُدار بعيداً عن المركز الوطني الفلسطيني. هذا يُشير إلى محاولات لإقامة بدائل ميدانية ومؤسسية عن الدولة الفلسطينية في غزة، بتمويل وشراكة دولية، تحت مسميات إنسانية، لكنها تخفي خلفها مشروعاً سياسياً لتفتيت القضية الفلسطينية وتحويل سكان القطاع إلى قضية لجوء جديدة داخل أرضهم.
دلالة ثالثة لا تقل أهمية، تتمثل في أن نقل الغزيين إلى ما يُشبه “المعازل” أو “الجيوب المنظمة” يعكس استعادة لسياسات استعمارية قديمة، تُعيد إلى الأذهان النماذج التي استخدمتها أنظمة الفصل العنصري لاحتواء السكان الأصليين دون منحهم أي سلطة فعلية أو سيادة حقيقية. وهذا النموذج الممنهج من الفصل والاحتواء، وإن جرى تغليفه بمفردات إنسانية، لا يمكن فصله عن منطق الإبادة البطيئة وتهجير السكان من جذورهم التاريخية.
شرعية التهجير
الرفض الفلسطيني الواسع لهذه المشاريع، كما عبرت عنه الجبهة الديمقراطية وشبكة المنظمات الأهلية، يؤكد أن الشعب الفلسطيني لا ينظر إلى هذه “المدينة” كمكان حماية، بل كمصيدة تهدف إلى كسر إرادته وفرض وقائع لا يمكن القبول بها. وقد ترافق هذا الرفض مع مطالبات بتحقيق دولي مستقل ومحاسبة الجهات التي تشارك في هذه المشاريع، ما يعكس إدراكاً متزايداً بأن الصراع لم يعد فقط مع الاحتلال، بل أيضاً مع منظومة دولية تسهّل أو تصمت عن ممارسات تمهد لجرائم كبرى بحق المدنيين.
نقل الفلسطينيين إلى “مدينة إنسانية” محاطة بأسلاك الاحتلال هو إنذار سياسي وأخلاقي بالغ الخطورة، يختبر موقف المجتمع الدولي من مفاهيم التهجير والاحتلال، ويضع العالم أمام مسؤولية منع تكرار نكبة جديدة بصيغة أكثر تنظيماً وحداثة. فالقبول بهذا المشروع يعني الاعتراف بشرعية التهجير، وتكريس واقع الاحتلال كمُخطّط ومُنفّذ ومُشرف على “الحلول” التي تناسبه. وهو ما يرفضه الفلسطينيون اليوم، ويقاومونه ليس فقط من باب التمسك بالأرض، بل من أجل رفض مشروع إبادة ناعمة يجري تنفيذها باسم الإنسانية.







