تتواصل العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة دون أن تلوح في الأفق بوادر حقيقية لوقف شامل لإطلاق النار، رغم الضغوط الدولية المتزايدة والمبادرات الإقليمية الرامية إلى احتواء التصعيد. ففي حين تسعى إسرائيل إلى إحداث تغييرات جذرية على واقع المقاومة الفلسطينية، عبر توجيه ضربات قاصمة لبنيتها العسكرية ومراكز نفوذها، تواصل الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، عملياتها الدفاعية والهجومية في محاولة لاستنزاف القوات الإسرائيلية وكسر هيبتها العسكرية. هذا الواقع المعقد يفتح الباب أمام تساؤلات ملحة عن مآلات الصراع: هل تتجه غزة إلى حرب استنزاف طويلة أم إلى تسوية سياسية تُفرض تحت ضغط الدم والدمار؟
المشهد الميداني: تصعيد مستمر ومعادلة معقدة
على الأرض، تكشف المعارك الدائرة عن تحولات لافتة في طبيعة الصراع. فرغم التفوق التكنولوجي الكاسح للقوات الإسرائيلية، أظهرت المقاومة قدرة تكتيكية على امتصاص الصدمة الأولى، واعتماد تكتيكات حرب عصابات فاعلة في بيئة حضرية خانقة. تتجسد هذه التكتيكات في الكمائن المسلحة، وزرع العبوات الناسفة، واستخدام الأنفاق بفعالية لإرباك تقدم القوات الغازية.
بالمقابل، يعتمد الجيش الإسرائيلي على سياسة الأرض المحروقة، مستهدفاً البنية التحتية المدنية والعسكرية على حد سواء، سعياً لتقويض الحاضنة الشعبية للمقاومة. إلا أن هذا النهج، رغم وحشيته، لم يفلح حتى الآن في كسر إرادة المقاتلين أو دفع القيادة السياسية للمقاومة إلى القبول بشروط مذلة للتهدئة، بل أدى إلى تعاطف أوسع من الشارع الفلسطيني والعربي مع القضية الغزاوية.
البعد الإقليمي والدولي: ضغوط متزايدة دون نتائج حاسمة
في موازاة التصعيد العسكري، تتسارع الجهود الدبلوماسية لاحتواء النزاع. تقود مصر وقطر محادثات ماراثونية مع الأطراف المعنية، بينما تتحرك الأمم المتحدة عبر قنواتها الإنسانية لإدخال المساعدات ومنع كارثة إنسانية شاملة. ورغم هذه الجهود، تبدو فرص التوصل إلى اتفاق تهدئة قريبة ضئيلة، نظراً لتعنت كل طرف وتمسكه بسقوف تفاوضية مرتفعة.
إسرائيل تطالب بنزع سلاح حماس أو على الأقل تحجيم قدراتها العسكرية بشكل جذري، في حين تشترط المقاومة وقف العدوان الكامل ورفع الحصار قبل الدخول في أي ترتيبات سياسية. هذه الهوة العميقة بين المواقف تجعل من أي تسوية قريبة أمراً مستبعداً دون تغييرات ميدانية كبيرة أو ضغوط دولية نوعية لم تتبلور بعد.
خيارات المقاومة: بين الصمود والمناورة السياسية
تدرك قيادة المقاومة أن استمرار الحرب بشروطها الحالية قد يؤدي إلى استنزاف بشري ومادي كارثي، لكنها تدرك أيضاً أن الانسحاب أو القبول بتسوية غير مشرفة سيؤدي إلى فقدان شرعيتها السياسية والميدانية. لذلك تبدو حماس، ومعها بقية الفصائل، حريصة على إطالة أمد المعركة بما يسمح بتحقيق مكاسب سياسية لاحقة، من خلال فرض معادلة جديدة على الاحتلال.
من جهة أخرى، لا تخفي بعض دوائر المقاومة استعدادها للدخول في مفاوضات مشروطة تفضي إلى هدنة طويلة الأمد، تفتح الباب لإعادة إعمار القطاع وتحسين الظروف المعيشية للسكان، ولكن دون المساس بجوهر المشروع المقاوم أو التفريط بالحقوق الوطنية.
الرؤية المستقبلية: صراع مفتوح على كل السيناريوهات
وسط أزيز الطائرات وأصوات القصف المتواصل، يكافح الفلسطينيون في غزة للحفاظ على ما تبقى من حياة كريمة تحت الركام. وبينما تتمسك المقاومة بخيار الصمود مهما غلت التضحيات، يحاول الاحتلال فرض إرادته بالقوة دون أن يحقق نصراً حاسماً. وفي هذا المشهد المفتوح على احتمالات متعددة، يبقى مصير القطاع رهين إرادة أهله وصلابة مقاومته، ورهين قدرة المجتمع الدولي على تجاوز عجزه التاريخي في إنصاف الشعب الفلسطيني.
بالنظر إلى المشهد الحالي، يبدو أن قطاع غزة مقبل على مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، حيث يصعب حسم المعركة عسكرياً من جانب الاحتلال، كما يصعب فرض تسوية سياسية بالوسائل الدبلوماسية التقليدية. كل الاحتمالات تبقى مفتوحة: استمرار المواجهة بوتيرة متفاوتة، أو التوصل إلى هدنة مؤقتة تخضع لمراقبة إقليمية ودولية مشددة، أو الدخول في مفاوضات شاقة قد تفضي إلى تغيير بعض معطيات الصراع دون إنهائه جذرياً.
في كل الأحوال، بات واضحاً أن غزة لم تعد مجرد ساحة مواجهة عسكرية محلية، بل تحولت إلى عقدة استراتيجية إقليمية ودولية، يصعب حلها بمعزل عن التغيرات الكبرى في موازين القوى الدولية، وفي المزاج الشعبي الفلسطيني والعربي تجاه طبيعة العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي.






