تحول المشهد في مواصي خان يونس، بقطاع غزة مع حلول الليلة السابعة من شهر مضان، من طقس روحاني يسبق السحور إلى اختبار قاسٍ لمعنى الصمود ذاته. المطر الذي يفترض أن يكون رحمة، جاء ليكشف هشاشة واقع آلاف النازحين الذين يعيشون في خيام لا تقي برداً ولا تحفظ كرامة. المأساة لا تتجلي فقط في تسرب المياه إلى الأقمشة البالية، بل في انكشاف البنية الإنسانية الهشة التي فرضتها الحرب: أرض منخفضة بلا تصريف، خيام مؤقتة تحولت إلى سكن دائم، وموارد محدودة تتبدد مع كل موجة مطر.
هشاشة الأمن الغذائي والصحي
المعاناة في هذه البقعة الساحلية لا ترتبط بحدث عابر، بل بسياق ممتد من الدمار وفقدان المأوى، حيث يتداخل البعد الإنساني مع البعد البنيوي للأزمة، حيث تكشف الأمطار غياب الحد الأدنى من البنية التحتية، وتضاعف هشاشة الأمن الغذائي والصحي، في ظل اكتظاظ سكاني وظروف بيئية قاسية. ومع كل تسرب جديد للمياه، تتآكل قدرة العائلات على التكيف، ويصبح الصيام امتحاناً للصبر على النزوح، لا مجرد امتناع عن الطعام والشراب.
داخل مخيم من الخيام المنصوبة على أرض رملية منخفضة، استيقظت العائلات على صوت قطرات المياه وهي ترتطم بأقمشة الخيام. حاول البعض الاستدراك سريعًا، فحفروا بأيديهم مجاري صغيرة لعلّها تصرف الماء بعيدا، لكن الأرض كانت أسرع في الامتلاء، والخيام أضعف من أن تحمي ساكنيها.
مأساة داخل الخيام
السيدة أمل القرا، التي نزحت من شرق خان يونس بعد أن فقدت منزلها، كانت تستعد للسحور مع أطفالها حين بدأ الماء يتسرب من أطراف الخيمة. تقول وهي تقف أمام ملابس مبللة معلّقة على حبل بين وتدين: “حاولنا أن نُنقذ ما يمكن إنقاذه… لكن المطر غلبنا. هذه كل ملابسنا، وكنا نحتفظ بثياب نظيفة للصلاة في رمضان، والآن نحاول تجفيفها فوق موقد صغير والدخان يملأ الخيمة”. حسب وفا.
في خيمة أخرى، يجلس أبو إسماعيل (52 عامًا) على صندوق بلاستيكي مكسور، يراقب ابنه الصغير وهو يحاول إخراج المياه بكوبٍ صغير. يقول بصوت متعب: “الخيمة لا تحمي من البرد ولا من المطر. في الليل نضع أوعية لنجمع الماء المتساقط، ونقضي النهار صيامًا والليل في محاولة إنقاذ ما تبقّى”.
أما أم سامر، التي نزحت مع أربعة أطفال من رفح، فتقف أمام طعام تبلّل بالكامل بعد تسرب المياه إلى خيمتها. تقول بحسرة: “جمعنا ثمن هذا الطعام بصعوبة. حين دخل المطر، لم نستطع إنقاذ شيء… تبلّل كل ما نملك من غذاء وملابس”.
البرد يضاعف معاناة الأطفال وكبار السن
على جانب الخيام، تقف الطفلة مها (12 عامًا) حاملة فانوسًا بلا بطارية، تنظر إلى السماء وتقول: “أحب رمضان… لكن أتمنى أن يكون لدينا بيت لا تغرقه الأمطار مثل خيمتنا. اشتقتُ لبيتنا الذي دُمّر”.
في هذه المنطقة الساحلية المنخفضة، حيث تفتقر الأرض إلى شبكات تصريف مياه الأمطار التي دُمّرت خلال الحرب، تتحول كل موجة مطر إلى عبء إضافي على آلاف العائلات النازحة. الرطوبة تتسلل إلى الأجساد، والبرد يضاعف معاناة الأطفال وكبار السن، بينما يبقى الأمل الوحيد هو التمسك بالحياة رغم القسوة.
هنا، في مواصي خان يونس، لا يُختبر الصيام فقط بالجوع والعطش، بل بالصبر على نزوح مستمر، وخيام تحاول أن تصمد أمام المطر.. وأمام الألم.




