يعود ملف الأسرى بين روسيا وأوكرانيا إلى الواجهة من جديد بعد أشهر طويلة من الجمود، مع إعلان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن كييف تعمل على استئناف مفاوضات التبادل أملاً في إطلاق سراح 1200 أسير أوكراني دفعة واحدة.
عودة الملف من الظل
يكشف هذا التحرك عن رغبة أوكرانية واضحة في تحقيق اختراق إنساني وسياسي قبل حلول الشتاء، في محاولة لرفع معنويات الجبهة الداخلية وتعزيز الثقة بالقيادة التي تواجه ضغوطاً عسكرية واقتصادية غير مسبوقة.
ويأتي هذا الإعلان في ظل تزايد الحاجة إلى خطوات تُظهر قدرة كييف على انتزاع مكاسب ملموسة رغم صعوبة المعركة الميدانية.
التحرك الأوكراني لم يكن مفاجئاً تماماً، إذ سبقته إشارات متكررة عن تواصل “هادئ” عبر قنوات دبلوماسية غير مباشرة، خصوصاً من خلال تركيا والإمارات اللتين لعبتا دور الوسيط منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022، لكن الجديد في موقف كييف هو التلميح إلى اتفاق شبه مكتمل، يستند إلى تفاهمات إسطنبول القديمة التي كانت تُعد حينها نقطة تحول في إدارة ملف الأسرى، إذ يبدو أن أوكرانيا ترغب في إعادة إحياء تلك الاتفاقات لتكون أساساً لصفقة واسعة تتجاوز التبادلات المحدودة التي تمت خلال العام الماضي.
ويشير هذا التطور إلى أن أوكرانيا تسعى لإعادة ترتيب أولوياتها التفاوضية، بعد أن واجهت تحديات كبيرة على جبهات الجنوب والشرق، فملف الأسرى يشكل أداة مهمة لاستعادة الدعم الشعبي، ويخدم في الوقت نفسه سياسة كييف القائمة على إظهار أنها قادرة على إدارة الملفات الإنسانية والعسكرية بالتوازي، دون الانجرار إلى معارك استنزاف بلا نتائج سياسية.
كما أن إعادة إحياء الاتفاقات السابقة يمنح كييف ورقة تفاوضية إضافية أمام موسكو التي تعاني بدورها ضغوطاً داخلية من عائلات الأسرى الروس.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو عملية تبادل تضم 1200 أسير وكأنها اختبار حقيقي لقدرة الأطراف على تجاوز العثرات السابقة، خصوصاً أن عمليات التبادل التي تمت خلال الشهور الماضية كانت صغيرة، ومتقطعة، وأحياناً تتوقف قبل تنفيذها بساعات بسبب تصعيد مفاجئ على خطوط القتال.
ورغم ذلك، فإن هذا الطرح الجديد يوحي بتغيير ما في ميزان المصالح الإقليمي والدولي قد يسمح بإحياء المبادرات المجمدة.
تحركات دبلوماسية مكثفة
تكشف جولة رستم أوميروف، رئيس مجلس الأمن القومي الأوكراني، في تركيا والإمارات عن سباق دبلوماسي تقوده كييف لاستعادة الزخم في هذا الملف، إذ تحدث المسؤول الأوكراني عن مفاوضات “أعمق” من السابق وعودة للطاولة التي جمعت الأطراف في إسطنبول عام 2022.
وتعكس هذه التصريحات محاولات كييف الاستفادة من النفوذ التركي على الطرفين، ومن علاقات الإمارات المتوازنة التي تسمح لها بلعب دور الوسيط المقبول لدى موسكو.
ورغم أن تفاصيل الجولة لم تُكشف بالكامل، إلا أن إعلان أوميروف عن “اتفاق مبدئي” للعودة إلى تفاهمات إسطنبول يوحي بأن المحادثات قطعت شوطاً مهماً، خصوصاً في الجوانب الفنية المتعلقة بقوائم الأسرى، وآليات النقل، وضمانات التنفيذ، وتدرك كييف أن نجاح صفقة واسعة لن يتحقق دون وجود طرف ضامن قادر على الضغط والتنسيق، وهو ما يجعل زيارة أوميروف ذات أبعاد استراتيجية تتجاوز الطابع الإنساني للملف.
وفي السياق ذاته، تشير مصادر دبلوماسية إلى أن الدعم الغربي لهذا المسار قد يكون عاملاً حاسماً في تسريع التفاوض، خصوصاً أن بعض الدول الأوروبية ترى في ملف الأسرى فرصة لخلق “نافذة تهدئة” يمكن البناء عليها لاحقاً نحو مفاوضات أوسع، وتتحرك كييف وفق هذه الرؤية، محاولة الربط بين صفقة الأسرى وتوسيع الدعم العسكري والسياسي الذي تحتاجه قبل الشتاء.
ويبدو أن تركيا، التي لعبت دوراً محورياً في رعاية اتفاق الحبوب واتفاقات الأسرى الأولى، تستعيد مجدداً دورها كوسيط لا غنى عنه، فالرئيس التركي رجب طيب إردوغان يمتلك قنوات اتصال فعّالة مع موسكو وكييف، ويستفيد من اللحظة السياسية لتعزيز دور بلاده الإقليمي، ويعزز ذلك احتمالات الوصول إلى اتفاق بعد أشهر طويلة من التعطيل.
أهمية الصفقة لأوكرانيا
تدرك كييف أن إطلاق سراح عدد كبير من الأسرى سيمثل دفعة معنوية هائلة للرأي العام الأوكراني، خصوصاً أن العديد منهم مفقودون منذ فترات طويلة، وبعضهم شارك في معارك شرسة على الجبهة الجنوبية والشمالية الشرقية، وترى القيادة الأوكرانية أن نجاح الصفقة سيبعث برسالة ثقة للمجتمع بأن الدولة لا تتخلى عن جنودها مهما طال الزمن.
كما أن الصفقة ستكون بمثابة انتصار سياسي لزيلينسكي في وقت يتراجع فيه الدعم الشعبي بسبب طول أمد الحرب وارتفاع التكلفة الاقتصادية، إذ تحتاج الحكومة إلى خطوات ملموسة تُشعر الناس بأن هناك تقدماً ما، حتى في حال تعثّر الجهود العسكرية، وتريد كييف القول إن المعركة ليست فقط على الميدان، بل أيضاً على طاولة المفاوضات.
ومن الناحية العسكرية، فإن استعادة الجنود الأسرى يعني إعادة دمج عناصر مدربة ومتمرسة قد تسهم في إعادة تشكيل بعض الوحدات، خصوصاً أن أوكرانيا تعاني نقصاً واضحاً في القوى البشرية، فالعسكريون العائدون من الأسر يمتلكون خبرة ميدانية لا يمكن تعويضها بسهولة، وقد يتحولون لاحقاً إلى مدرّبين أو قادة ميدانيين.
أما على المستوى الدبلوماسي، فنجاح الصفقة سيمنح كييف موقعاً تفاوضياً أفضل مع الدول الأوروبية، التي تراقب بدقة قدرة القيادة الأوكرانية على تحقيق مكاسب سياسية. كما سيساعدها في حشد المزيد من الدعم المالي والعسكري قبل دخول فصل الشتاء القاسي.
الحسابات الروسية
بالنسبة لموسكو، فإن التعاطي مع ملف الأسرى يشكل تحدياً معقداً، إذ تحاول روسيا الموازنة بين الضغوط الداخلية المتزايدة من عائلات الأسرى وبين رغبتها في عدم تقديم مكاسب مجانية لخصمها، ويدرك الكرملين أن صفقة واسعة قد تفتح الباب لخطوات دبلوماسية أخرى قد لا تكون في مصلحته في مرحلة تشهد تصعيداً ميدانياً.
ومع ذلك، تشير بعض التحليلات إلى أن موسكو قد ترى مصلحة في صفقة تبادل كبيرة إذا ارتبطت بترتيبات سياسية أو ميدانية تخدم استراتيجيتها الأوسع، فروسيا سبق أن استخدمت صفقات الأسرى كأداة لكسب تنازلات، أو لتخفيف حدة الانتقادات الخارجية، أو حتى لتحسين صورة القيادة أمام الداخل الروسي.
كما أن روسيا قد تستفيد من الصفقة عبر استعادة جنودها وإعادة تدويرهم في الوحدات القتالية، خصوصاً أن الجيش الروسي تكبّد خسائر كبيرة خلال العمليات الأخيرة، وتحتاج موسكو إلى تعزيز بعض الجبهات، وقد ترى في تبادل الأسرى وسيلة لتعويض جزء من هذا النقص دون اللجوء إلى إجراءات تعبئة جديدة.
ورغم كل ذلك، يبقى العامل الأهم هو التوقيت، إذ أن موسكو قد تتردد في الموافقة على صفقة واسعة إذا كانت ترى أنها تمنح كييف دفعة معنوية أو سياسية في لحظة حساسة، لذا، فإن المفاوضات قد تتعرض لمفاجآت في أي وقت، خصوصاً إذا شهدت الجبهات تصعيداً جديداً يغيّر الحسابات.
التحديات والعقبات
واحدة من أبرز العقبات التي تواجه صفقة تبادل واسعة هي عدم وجود ضمانات كافية تمنع تكرار الانهيارات السابقة في الاتفاقات، فالجبهات المشتعلة تجعل أي تفاهم هشّاً وقابلاً للانهيار، إذ يمكن لقصف واحد أو هجوم مفاجئ أن يخرّب أشهر من العمل الدبلوماسي.
كما تواجه كييف تحدياً كبيراً في توحيد قوائم الأسرى وإثبات هويات مئات المفقودين، وهي عملية معقدة تتطلب توثيقاً دقيقاً وتعاوناً من المنظمات المعنية، وغالباً ما تكون هذه الخطوة من أكثر مراحل التفاوض حساسية، لأنها ترتبط بمشاعر العائلات وتوقعاتهم.
ومن جهة أخرى، تتردد موسكو في تقديم قوائمها بشكل كامل، معتبرة أن الكشف الشامل عن الأعداد قد يعكس خسائر أكبر مما تريد الاعتراف به، لذلك، قد تستخدم روسيا هذه الورقة للضغط في التفاوض وتأخير بعض المراحل.
كما أن الأطراف الوسيطة تواجه صعوبة في تنسيق المواقف، إذ تتشابك الاعتبارات الإنسانية والسياسية والعسكرية، ما يجعل التوصل لاتفاق نهائي عملية معقدة تتطلب توافقاً نادراً بين عدة أطراف متعارضة المصالح.
آفاق التسوية واحتمالات النجاح
رغم التعقيدات، يرى مراقبون أن الأشهر القادمة قد تشهد تقدماً ملحوظاً في الملف إذا استمرت الاتصالات الحالية بنفس الوتيرة التصاعدية، خصوصاً أن هناك رغبة دولية في خلق مساحات تهدئة يمكن البناء عليها لاحقاً نحو مفاوضات أوسع، ويعتقد بعض المحللين أن صفقات الأسرى قد تكون المدخل الوحيد الممكن لتخفيف التصعيد قبل أي مسار تفاوضي سياسي.
كما أن حاجة أوكرانيا لتعزيز الموقف الداخلي قبل الشتاء، وحاجة روسيا لإظهار مرونة معينة أمام حلفائها، قد تدفع الطرفين إلى تقديم تنازلات متبادلة، وهذا النوع من المصالح المتقاطعة غالباً ما يكون مقدمة لاتفاقات كبيرة.
وتلعب الدول الوسيطة، خاصة تركيا، دوراً محورياً في تأمين الضمانات، إذ تمتلك الخبرة اللازمة وقدرة على التواصل المباشر مع الطرفين دون قيود سياسية كبيرة، وقد يساعد هذا الدور على تجاوز عقبات كانت مستعصية في السابق.
ومع ذلك، تبقى خريطة الطريق غير واضحة، إذ يتطلب الاتفاق الجماعي التزاماً طويل الأمد من جميع الأطراف، وهو ما يصعب تحقيقه في ظل حرب مفتوحة لا تزال كل جولة فيها قادرة على تغيير موازين القوى بين ليلة وضحاها.
وفي النهاية، تبدو صفقة تبادل الأسرى أشبه ببارقة أمل في حرب طويلة وشاقة، لكنها في الوقت نفسه اختبار لمدى قدرة الأطراف على وضع المصالح الإنسانية فوق الحسابات التكتيكية، وإذا نجحت، فقد تفتح الباب لمرحلة جديدة من التفاوض؛ أما إذا تعثرت، فستعود الجبهات لتفرض كلمتها من جديد.
ورقة تفاوضية شديدة الحساسية
يقول اللواء سامر هدايا، الخبير العسكري، إن ملف الأسرى يمثل ورقة تفاوضية شديدة الحساسية، وغالباً ما تُستخدم لتحقيق مكاسب سياسية تتجاوز البُعد الإنساني، ويشير إلى أن كييف تدرك أهمية هذا الملف في تعزيز معنويات القوات الأوكرانية، التي تعاني من ضغط العمليات العسكرية المستمرة.
ويضيف هدايا أن روسيا تمتلك دوافع قوية للتعامل مع ملف الأسرى بمرونة انتقائية، خصوصاً أنها تحاول تجنب أي تأثير سلبي على الرأي العام الداخلي، ويعتقد أن موسكو قد لا تمانع في صفقة واسعة إذا ضمنت الحصول على تنازلات في ملفات موازية، سواء ميدانية أو سياسية.
ويرى الخبير العسكري أن أي صفقة كبيرة ستتطلب ترتيبات لوجستية معقدة، تشمل ضمانات دولية واضحة وآليات مراقبة محايدة، ويؤكد أن دور تركيا سيكون محورياً، إذ تمتلك القدرة على إدارة العمليات الميدانية المصاحبة لعمليات التسليم والنقل، وهو ما أثبتته في صفقات سابقة.
ويختتم هدايا بالقول إن فرص النجاح متوسطة، لكنها ليست معدومة، مشيراً إلى أن نجاح الصفقة سيُعد نقطة تحول في الحرب، وقد يفتح الباب لمسار تفاوضي أوسع في حال توفرت الإرادة السياسية لدى الطرفين.
تحول في مقاربة الأطراف الإقليمية والدولية
يقول الدكتور نادر مراد، أستاذ العلاقات الدولية، إن إعادة فتح ملف الأسرى بهذا الزخم تشير إلى وجود تحول في مقاربة الأطراف الإقليمية والدولية للأزمة الأوكرانية، ويرى أن الدول الكبرى قد تدعم هذا المسار كمدخل لخلق مساحة تفاوضية تُخفف من وتيرة المواجهات على الجبهات.
ويؤكد مراد أن الوساطة التركية والإماراتية تستفيد من رصيد الثقة الذي بنته خلال العامين الماضيين، وأن هذه الثقة قد تسمح بتجاوز عقبات كانت مستعصية في السابق، كما يشير إلى أن موسكو وكييف قد وجدتا في هذا الملف نقطة مشتركة يمكن البناء عليها دون المساس بالأهداف الكبرى لكل طرف.
ويضيف أن صفقة بهذا الحجم سيكون لها تأثير مهم على المشهد الدولي، إذ ستُظهر أن القنوات الدبلوماسية ما زالت قادرة على العمل رغم انعدام الثقة، ويرى أن هذه الخطوة قد تشجع أطرافاً دولية أخرى على الدخول في وساطات موازية حول قضايا عالقة مرتبطة بالأزمة.
ويختتم مراد تحليله بالقول إن مستقبل الصفقة سيتوقف على قدرة الوسطاء على الحفاظ على وتيرة التفاوض، وعلى استعداد موسكو وكييف لتقديم تنازلات محسوبة، لكنه يرى أن الفرصة متاحة، وأن التطورات الأخيرة تشير إلى نافذة يمكن استغلالها قبل أن يعيد الشتاء خلط الأوراق على الجبهات.







